رؤية قرآنية لبناء مجتمع متكافل

في واحدة من أهم المعالجات الفكرية والاجتماعية التي تناولها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي في دروسه الرمضانية، تتجلى رؤية متكاملة لمفهوم الإنفاق في الإسلام، ليس باعتباره عملية مالية فحسب، وإنما باعتباره مشروعاً حضارياً لإعادة بناء المجتمع على أساس التكافل، والتراحم، والمسؤولية المشتركة، فالطرح الذي يقدمه الشهيد القائد يتجاوز النظرة التقليدية للعمل الخيري، لينتقل إلى تأسيس ثقافة قرآنية تجعل كل فرد مسؤولاً عن محيطه، وكل غني شريكاً في حماية المجتمع، وكل عملية إنفاق وسيلة لبناء الإنسان قبل أن تكون وسيلة لسد الحاجة.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإنفاق.. مسؤولية مجتمعية لا مهمة مؤسسية

يركز الشهيد القائد على أن القرآن الكريم خاطب الأفراد مباشرة بقوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ}، و{وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ}، في دلالة واضحة على أن الأصل في التكافل أن يكون المجتمع نفسه حاضراً في ممارسة العطاء، لا أن تُختزل هذه المسؤولية في جهة واحدة أو مؤسسة مركزية،  ومن هنا يؤكد أن بناء المجتمع القرآني يبدأ عندما يشعر كل إنسان بأنه مسؤول عن جاره، وقريبه، واليتيم، والمسكين، والمحتاج في محيطه، لأن المعرفة المباشرة بأحوال الناس تجعل الإنفاق أكثر عدلاً، وأكثر إنسانية، وأكثر تأثيراً.

فلسفة القرآن.. صناعة إنسان يشعر بآلام الآخرين

يقدم الشهيد القائد قراءة عميقة للآيات القرآنية، موضحاً أن المقصود ليس مجرد نقل المال من يد إلى يد، وإنما صناعة ضمير اجتماعي حي، فالقرآن يريد للمؤمن أن يبحث بنفسه عن المحتاج، وأن يتلمس أحوال الناس، وأن يكون جزءاً من علاج معاناتهم، وهو ما يحول المجتمع إلى شبكة واسعة من الرحمة والتكافل يصعب أن يتسلل إليها الفقر أو التهميش،  وهذه الرؤية تخلق مجتمعاً يقظاً، لا ينتظر التعليمات، بل يتحرك بدافع الإيمان والمسؤولية.

رفض المركزية المطلقة في العمل الخيري

من أبرز الدلالات التي تضمنها الدرس، التحذير من تحويل كل أعمال البر إلى صناديق مركزية، بحيث يفقد المجتمع دوره المباشر في التكافل، فالشهيد القائد لا ينفي أهمية المؤسسات المنظمة، لكنه يؤكد أن الاقتصار عليها يضعف الحس الاجتماعي، ويجعل كثيراً من المحتاجين خارج دائرة الاهتمام، خاصة أولئك الذين يتعففون عن السؤال أو لا تصل معاناتهم إلى الجهات الرسمية،  ومن هنا يطرح نموذجاً قرآنياً يقوم على الجمع بين التنظيم، وبين المبادرة الشعبية المباشرة، بحيث يبقى المجتمع هو الحاضن الحقيقي للتكافل.

الفقراء المتعففون .. الفئة الأكثر حاجة للاهتمام

يتوقف الشهيد القائد عند قوله تعالى:
{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ… يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} ،  ليبين أن أخطر صور الفقر هي تلك التي تختفي خلف الكرامة والعفة،  فهؤلاء لا يمدون أيديهم، ولا يعلنون حاجتهم، ولذلك فإن اكتشافهم لا يتم إلا عبر مجتمع متماسك يعرف أفراده بعضهم بعضاً، ويتابع أحوالهم بصورة مستمرة،  وهنا تتحول المسؤولية من مؤسسة إلى مجتمع كامل.

الإنفاق في سبيل الله.. استثمار في نهضة الأمة

يربط الشهيد القائد بين الإنفاق والعمل في سبيل الله، مؤكداً أن القرآن أولى عناية خاصة بالفئات التي كرست حياتها لخدمة الدين والمجتمع، وأصبحت ظروفها تمنعها من تحصيل مواردها الخاصة،  ويؤكد أن رعاية هذه الفئة ليست صدقة عابرة، بل استثمار في استمرار المشروع الرسالي، وحماية لمسيرة الأمة، وضمان لاستمرار عناصر النهوض الحضاري.

التربية قبل المال

من أهم أبعاد الرؤية أن قيمة الإنفاق لا تقاس بحجم المال فقط، وإنما بما يتركه من أثر تربوي،
فالإنسان عندما يذهب بنفسه إلى المحتاج، ويواسيه، ويحفظ كرامته، تنشأ بينهما علاقة إنسانية قائمة على المحبة والثقة،  أما إذا أصبحت العلاقة محصورة بين المحتاج وصندوق مالي، فإن كثيراً من الروابط الاجتماعية تضعف، ويخسر المجتمع أحد أهم عناصر تماسكه.

بناء مجتمع متآلف

ويرى الشهيد القائد أن الإنفاق المباشر يعالج كثيراً من الأمراض الاجتماعية، مثل الحسد بين الفقراء والأغنياء، والشعور بالحرمان، والاحتقان الطبقي، وضعف العلاقات الاجتماعية، وتفكك النسيج المجتمعي،  فالعطاء المباشر يصنع الثقة، ويولد المحبة، ويشعر الفقير بأنه شريك في المجتمع، لا عبء عليه.

الزكاة من عين المال .. دلالة نفسية واجتماعية

ومن الأفكار اللافتة التي يطرحها الشهيد القائد تفسير الحكمة من إخراج الزكاة من عين المال،  فهو يرى أن الفقير عندما يعلم أن له نصيباً مشروعاً في الزرع، أو الثمار، أو المحاصيل، أو غيرها من الأموال، تنشأ لديه قناعة بأنه شريك في منظومة المجتمع، وليس مهمشاً أو منسياً، وهذا البعد النفسي يسهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً، ويمنع تراكم مشاعر الكراهية أو الإقصاء.

البلاغ مسؤولية.. والهداية بيد الله

ويتناول الشهيد القائد كذلك جانباً دعوياً مهماً من خلال تفسير قوله تعالى:
{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}
ليؤكد أن مهمة الداعية أو المصلح هي البلاغ، والتذكير، والحث على الخير، دون أن يتوقف بسبب قلة المستجيبين،  فالاستجابة قد تتأخر، وقد تكون محدودة في مرحلة معينة، لكن تدبير الله أوسع من حسابات البشر، ولذلك ينبغي الاستمرار في الدعوة إلى الإنفاق والخير وعدم اليأس من بطء النتائج.

دلالات استراتيجية للرؤية

تكشف هذه الرؤية عن مشروع اجتماعي متكامل يقوم على عدة مرتكزات، منها  تحويل التكافل إلى ثقافة يومية، وبناء مجتمع يشعر أفراده بالمسؤولية المتبادلة، وتعزيز المبادرات الفردية في أعمال البر، وحماية كرامة الفقراء والمتعففين، وترسيخ العلاقة الإنسانية بين الغني والفقير، وجعل الإنفاق وسيلة لبناء الوحدة الاجتماعية، وليس مجرد معالجة ظرفية للفقر، وكذا استمرار التوعية والدعوة إلى الخير دون ارتباط بحجم الاستجابة الآنية.

ختاما ..

تقدم رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه للإنفاق تصوراً يتجاوز الإطار المالي والإغاثي إلى مشروع قرآني لبناء مجتمع متراحم ومتكاتف، يكون فيه كل فرد شريكاً في تحمل المسؤولية تجاه الآخرين،  ووفق هذه الرؤية، فإن قوة المجتمع لا تُقاس بحجم موارده فحسب، بل بقدر ما يمتلكه من وعي، وتكافل، وشعور حي بأن خدمة المحتاج ورعاية الضعيف مسؤولية جماعية تسهم في ترسيخ التماسك الاجتماعي وتعزيز قيم الرحمة والتعاون.

You might also like