الملك قحطان بن العوم بن أحمد الكندي.. مؤسس الإمارة القحطانية بحضرموت.

[459 – 468هـ / 1067 – 1075م].

يُعَدُّ الملك قَحْطَانُ بن العوم بن أحمد الفهدي الكندي من الشخصيات السياسية البارزة في تاريخ حضرموت واليمن خلال القرن الخامس الهجري، إذ ارتبط اسمه بتأسيس الإمارة القحطانية في تريم، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أبرز الإمارات الحضرمية في العصور الوسطى. وقد جاء ظهوره في مرحلة شهدت تغيرات سياسية كبيرة أعقبت وفاة الملك علي بن محمد الصليحي سنة 459هـ/1067م، حين بدأت سلطة الدولة الصليحية تضعف في أطراف اليمن، مما أتاح لزعماء الأقاليم إدارة شؤونهم بصورة شبه مستقلة مع بقائهم في إطار التبعية الاسمية للدولة الصليحية.

وقد استطاع قحطان الكندي أن يؤسس كيانًا سياسيًا مستقرًا في مدينة تريم، وأن يضع الأسس الإدارية والعسكرية التي قامت عليها دولة استمرت أكثر من قرن ونصف، وتعاقب على حكمها أكثر من عشرة ملوك من آل قحطان، قبل أن تتحول إلى دولة آل راشد، ثم تنتهي على يد الأيوبيين سنة 617هـ/1220م.

يمانيون/ صالح مقبل فارع.

 ◆ نُبْذَة عنه وَعَنْ إمارته الجديدة:

وتشمل: نسبه وأصله وأسرته ومكانته وعصره، وبداية حكمه، وتأسيسه لدولته، ومدة حكمه، وأبرز إِنْجَازَاته، وَنِهَايَة حكمه، وعاصمته ونفوذه، ووفاته، وغيرها من الْمَوَاضِيْع الَّتِي سنبينها فِيْ العناوين الفرعية التَّالِيَة.

 

◆ نَسَبُهُ وَأُسْرَتُهُ:

هو: الملك قَحْطَانُ بن العوم بن أحمد بن محمد بن عَبْداللَّهِ بن عمر الفهدي الكندي. وينتمي إلى قبيلة كندة، إحدى أشهر القبائل العربية التي كان لها حضور سياسي وحضاري كبير في حضرموت منذ الجاهلية، واستمرت مكانتها خلال العصر الإسلامي، وظلت تتولى قيادة عدد من الإمارات المحلية في حضرموت.

 

◆ الأوضاع السياسية قبل قيام الإمارة:

عاشت حضرموت خلال القرن الخامس الهجري ضمن دائرة النفوذ الصليحي، إلا أن السلطة المركزية كانت تعتمد على ولاء الزعامات المحلية أكثر من اعتمادها على الإدارة المباشرة، ولا سيما لبعد حضرموت عن العاصمة الصُّلَيْحِيَّة.

وبعد اغتيال الملك علي بن محمد الصُّلَيْحِيّ سنة 459هـ/1067م، ضعفت قبضة الدولة الصليحية على أطراف البلاد، فبرزت القوى المحلية في حضرموت، وكان من أبرزها آل قحطان الكنديون، الذين تمكنوا من تأسيس إمارة محلية في تريم مع استمرار الاعتراف الاسمي بسيادة الدولة الصليحية.

 

◆ تأسيس الإمارة القحطانية:

في سنة 459هـ/1067م أعلن الملك قحطان بن العوم قيام الإمارة القحطانية بمدينة تَرِيْم حَضْرَمَوْت، ليصبح أول ملوكها ومؤسسها الحقيقي.

وَكَانَ تَأْسِيْس الإِمَارَة بعد اغتيال عَلِي مُحَمَّد الصُّلَيْحِيّ، ملك الْيَمَن.

ولم يكن تأسيس الإمارة إعلانًا للاستقلال الكامل، وإنما كان حكمًا ذاتيًا يتمتع باستقلال واسع في إدارة شؤون حضرموت، مع بقاء التبعية السياسية للدولة الصليحية، وهو النموذج الذي كان سائدًا في كثير من أقاليم اليمن آنذاك.

وقد اتخذ من تريم عاصمةً لإمارته، وأصبحت مركزًا للحكم والإدارة.

 

◆ مدة حكمه:

حكم الملك قحطان نحو ثماني سنوات خلال الفترة: [459 – 468هـ / 1067 – 1075م].

ورغم قصر مدة حكمه، فقد كانت سنوات حاسمة في بناء الكيان السياسي الجديد، إذ رسخ أركان الإمارة، وأسس نظامًا للحكم استمر قرونًا بعد وفاته.

 

◆ سياسته الدَّاخِلِيَّة:

اهتم الملك قحطان بتنظيم شؤون الإمارة الناشئة، ويمكن تلخيص أبرز معالم سياسته فيما يأتي:

  • تثبيت الأمن والاستقرار في مدينة تريم وما حولها.
  • توحيد القبائل الكندية تحت قيادة سياسية واحدة.
  • تنظيم الإدارة المحلية للإمارة.
  • الحفاظ على علاقات متوازنة مع الدولة الصليحية.
  • ترسيخ سلطة الأسرة القحطانية في حضرموت.

وقد أسهمت هذه السياسة في توفير قدر كبير من الاستقرار، مما ساعد الإمارة على الاستمرار بعد وفاته.

 

◆ علاقته بالدولة الصُّلَيْحِيَّة:

لم يدخل الملك قحطان في صدام مع الدولة الصليحية، بل ظل يعترف بسيادتها الاسمية، بينما احتفظ باستقلاله الفعلي في إدارة حضرموت.

وقد كانت هذه العلاقة تحقق مصلحة الطرفين؛ إذ احتفظ الصليحيون بولاء حضرموت، بينما احتفظ آل قحطان بإدارة شؤونهم الداخلية دون تدخل مباشر.

 

◆ تريم حضرموت عاصمة للإمارة:

اختار الملك قحطان مدينة تَرِيْم حَضْرَمَوْت مقرًا لعاصمته، لما تمتاز به من:

  • موقعها الاستراتيجي في وادي حضرموت.
  • مكانتها العلمية والدينية.
  • ازدهارها التجاري.
  • قوتها الاقتصادية.
  • كونها مركزًا لقبائل كندة.

وأصبحت تريم منذ ذلك الحين مقر الحكم القحطاني حتى نهاية الدولة.

 

◆ الإمارة القحطانية في حَضْرَمَوْت:

تُعد إمارة آل قحطان من أهم الإمارات الحضرمية في العصور الوسطى، وقد مرت بمرحلتين رئيسيتين:

1- مرحلة إمارة آل قحطان.

2- مرحلة دولة آل راشد، التي حملت اسم الملك راشد بن شجعنة.

وقد استمرت الإمارة والدولة معًا نحو 153 عامًا خلال الفترة: [459 – 617هـ / 1067 – 1220م].

وشهدت خلالها استقرارًا سياسيًا نسبيًا مقارنة بكثير من الإمارات اليمنية المعاصرة.

 

◆ أبرز ملوك آل قحطان وآل رَاشِد:

تعاقب على حكم الإمارة أكثر من عشرة ملوك، من أبرزهم:

  • قَحْطَانُ بن العوم بن أَحْمَد الكندي [459 – 468هـ / 1067 – 1075م]، مُؤَسِّسُ الإِمَارَة القَحْطَانِيَّةِ بِحَضْرَمُوْتَ.
  • أَحْمَد بن قَحْطَانَ [468 – 475هـ/1075 – 1082م].
  • فَهْدُ بن أَحْمَدَ بن قَحْطَانَ [475 – 528هـ / 1082 – 1134م].
  • شَجْعَنَة بن فَهْد أَحْمَدَ قَحْطَانَ [529 – 531هـ / 1134 – 1136م].
  • العوم بن فَهْد أَحْمَد قَحْطَان [531 – 539هـ / 1136 – 1144م].
  • فَارِس بن فَهْد أَحْمَد قَحْطَان [539 – 547هـ / 1144 – 1152م].
  • رَاشِد بن شَجْعَنَة بن فَهْد أحمد قَحْطَان [547 – 575هـ / 1152 – 1180م] إليه تُنسَب دَوْلَة آل رَاشِد.
  • شَجْعَنَة بن رَاشِد بن شَجْعَنَة بن فَهْد بن أحمد بن قَحْطَان [577 – 593هـ / 1182 – 1197م].
  • عَبْداللَّهِ بن رَاشِد بن شَجْعَنَة بن فَهْد بن أَحْمَد بن قَحْطَان [593 – 603هــ / 1197 – 1206م]، ويعد من أشهر مُلُوكِ الدَّوْلَة.
  • فَهْد بن عَبْداللَّهِ بن رَاشِد [603 – 617هـ / 1206 – 1220م]، آخر مُلُوكِ الدَّوْلَة.

 

◆ علاقة الإمارة بالدول الْيَمَنِيَّة المعاصرة:

عاصرت الإمارة القحطانية عددًا من الدول اليمنية، منها:

  • الدولة الصليحية.
  • الدولة الزريعية.
  • الدولة الحاتمية.
  • الدولة الزيدية.
  • الدولة المهدية في زبيد.
  • إمارة آل الدغار الحضرمية.
  • دولة الأقيال الكندية.

وقد حافظت الإمارة غالبًا على استقلالها المحلي، مع مراعاة موازين القوى في اليمن.

 

◆ نهاية الدَّوْلَة:

تعرضت الدولة القحطانية للاحتلال الأيوبي سنة 575هـ/1180م، ثم استعادت وجودها لفترة، قبل أن يعود الأيوبيون ويقضوا عليها نهائيًا سنة 617هـ/1220م بقيادة عمر بن المهدي، وكيل الدولة الأيوبية في حضرموت.

وكان آخر ملوكها: فهد بن عَبْداللَّهِ بن راشد الكندي.

وبعد سقوطها ظهرت في حضرموت دولتان جديدتان هما:

  • دولة آل يماني.
  • دولة الأقيال الكندية.

 

◆ وفاة الملك قَحْطَان:

توفي الملك قحطان بن العوم الكندي نحو سنة 468هـ/1075م بعد أن حكم قرابة ثماني سنوات، تاركًا وراءه دولة فتية استطاعت الاستمرار أكثر من قرن ونصف.

وقد خلفه في الحكم ابنه: الملك أحمد بن قحطان الكندي، الذي واصل تثبيت أركان الإمارة.

 

◆ أبرز إِنْجَازَاته:

  • تأسيس الإمارة القحطانية في تريم.
  • توحيد أجزاء من حضرموت تحت حكم آل قحطان.
  • جعل تريم عاصمة سياسية للإمارة.
  • ترسيخ حكم الأسرة القحطانية.
  • الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
  • إقامة علاقة متوازنة مع الدولة الصليحية.
  • وضع الأسس التي قامت عليها دولة استمرت أكثر من 150 عامًا.

 

◆ التقييم التاريخي:

يحتل الملك قحطان بن العوم الكندي مكانة بارزة في تاريخ حضرموت، بوصفه مؤسس أحد أطول الكيانات السياسية الحضرمية في العصور الوسطى. ورغم قلة الأخبار التفصيلية عن فترة حكمه، فإن أثره التاريخي يتمثل في نجاحه في إنشاء إمارة مستقرة استطاعت الصمود عبر تعاقب الأجيال، والتحول لاحقًا إلى دولة عرفت باسم دولة آل راشد، وظلت إحدى القوى السياسية المهمة في شرق اليمن حتى أوائل القرن السابع الهجري.

 

◆ الْخَاتِمَة:

يمثل عهد الملك قحطان بن العوم الكندي بداية مرحلة جديدة في تاريخ حضرموت، انتقلت فيها المنطقة من التبعية المباشرة للقوى الكبرى إلى قيام إمارة محلية يقودها أبناء كندة، مع الاحتفاظ بعلاقات سياسية مع الدولة الصليحية. وقد أسهمت السياسة الحكيمة التي انتهجها في ترسيخ دعائم الحكم، وإرساء الاستقرار، وتأسيس دولة استمرت أكثر من مائة وخمسين عامًا، مما جعل اسمه يقترن ببداية واحدة من أبرز الإمارات الحضرمية في التاريخ الإسلامي، وبقي مثالًا للمؤسس الذي وضع اللبنات الأولى لكيان سياسي استمر أثره عدة قرون.

 

◆ المصادر والمراجع:

– تاريخ حَضْرَمُوْت، تأليف صالح الحامد.

* * *

You might also like