سعيد الأَحْوَلُ ابن نجاح الحبشي..ثاني حكام الدولة النجاحية، وقاتِل الملك علي بن محمد الصُّلَيْحِيّ.

[452 - 471هـ / 1060 - 1079م].

يُعَدُّ سَعِيْدُ الأَحْوَلُ بن نَجَاحٍ من أبرز شخصيات الدولة النجاحيَّة في القرن الخامس الهجري، الْحَادِي عشر الْمِيْلادِي، وقد ارتبط اسمه بمرحلةٍ اتسمت بالصراع المستمر بين النجاحيين والصليحيين على السيطرة على مدينة زَبِيْدٍ وإقليم تهامة. وعلى الرغم من تعرُّضه للطرد أكثر من مرة ولجوئه إلى أرخبيل دَهْلَك، فقد استطاع العودة مرارًا لاستعادة نفوذه، وكان أبرز أحداث حياته نجاحه في قتل الملك علي بن محمد الصُّلَيْحِيّ واسترداد زَبِيْدٍ لفترة وجيزة؛ إلا أن حكمه ظل متقطعًا وغير مستقر بسبب المواجهات العسكرية المتواصلة، حتى انتهى بمقتله على يد الملكة أروى بنت أحمد الصُّلَيْحِيّ سنة [471هـ/1079م]؛ لتنتهي بذلك إحدى أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ الدولة النجاحية، قبل أن تعود زَبِيْد إلى حكم أخيه جيَّاش بن نجاح بعد فترة قصيرة.

يمانيون/ صالح مقبل فارع. 

 

◆ نُبْذَة عن سَعِيْد الأَحْوَل:

هُوَ سَعِيْدٌ بن نَجَاحٍ الحَبَشِيُّ، الْمَشْهُوْر بلقب “سَعِيْدٍ الأَحْوَل“، وهو ابن الأمير الْمُؤَيَّد نجاح الحبشي مُؤَسِّس الدولة النَّجَاحِيَّة في “زَبِيْد”، وكان من أصل حبشي، وتولى حكم الدولة النَّجَاحِيَّة بعد وفاة والده سنة [452هـ/1060م]؛ ليصبح ثاني حكامها.

وقد اشتهر سعيد الأحول بدوره البارز في مقاومة الدولة الصُّلَيْحِيَّة، كما ارتبط اسمه بمقتل الملك عَلِي بن مُحَمَّد الصُّلَيْحِيّ، وهو الحدث الذي أعاد الدولة النجاحية إلى الواجهة بعد سنوات من سقوطها.

◆ توليه الحكم وسقوط الدولة النَّجَاحِيَّة مؤقتًا:

عقب وفاة الأمير نجاح سنة [452هـ/1060م]، تولى ابنه سعيد الأحول حكم الدولة النجاحية، واتخذ من مدينة زبيد عاصمةً له، واستمر في حكم تَهَامَة.

غير أن الملك علي بن محمد الصُّلَيْحِيّ شن حملة عسكرية واسعة على زبيد، وتمكن بعد نحو سنتين من إسقاط الدولة النجاحية والسيطرة على تهامة سنة [454هـ/1062م]، فاضطر سعيد الأحول وإخوته جيَّاش ومعارك إلى الفرار عبر البحر الأحمر إلى جزيرة دَهْلَك(1)، وهي أرخبيل يقع في البحر الأحمر، وكان يتبع اليمن قديمًا، ويقع اليوم ضمن أراضي إريتريا.

وبذلك اختفت الدولة النجاحية عن المسرح السياسي عدة سنوات، بينما أصبحت زبيد تحت الحكم الصُّلَيْحِيّ.

 

◆ العودة الأولى واستعادة زَبِيْد:

بعد سنوات من المنفى، عاد سعيد الأحول إلى اليمن سنة [459هـ/1067م]، واستطاع تنفيذ خطة مباغتة انتهت بمقتل الملك علي بن محمد الصليحي أثناء توجهه إلى مكة لأداء فريضة الحج، وذلك يوم السبت 12 ذي القعدة 459هـ(2)، الْمُوَافِق: 23 سبتمبر، أيلول 1067م؛ وبعد مقتلهم استعاد سَعِيْد السلطة في زبيد.

كما قُتل في الحادث أخو الملك، عَبْداللَّهِ بن مُحَمَّد الصُّلَيْحِيّ، وأُسرت زوجة الملك، السيدة أسماء بنت شهاب، مما شكَّل ضربةً قاسية للدولة الصليحية، وأتاح لسعيد الأحول استعادة مدينة زبيد وإحياء الدولة النجاحية من جَدِيْد.

 

◆ حملة الْمُكَرّم أَحْمَد عَلِي الصُّلَيْحِيّ:

لم يدم حكم سعيد الأحول طويلًا؛ إذ تولى أحمد الْمُكَرّم بن عَلِي مُحَمَّد الصُّلَيْحِيّ قيادة الدولة الصليحية بعد مقتل والده، وسارع إلى تجهيز حملة عسكرية كبيرة لاستعادة زبيد وإنقاذ والدته أسماء بنت شهاب من الأَسْرِ.

وفي سنة [460هـ/1068م]، التقى الجيشان في معركة “التّريبة”، التي انتهت بانتصار أحمد الْمُكَرّم وهزيمة سعيد الأحول، فاستعاد الصليحيون مدينة زبيد، واضطر سعيد وإخوته إلى الفرار مرة أخرى إلى جزيرة دَهْلَك، بينما بقيت زبيد تحت الحكم الصُّلَيْحِيّ نحو إحدى عشرة سنة.

 

◆ العودة الثانية والأخيرة:

في سنة [471هـ/1079م]، عاد سعيد الأحول مرة أخرى إلى زبيد، واستطاع طرد واليها مالك بن شهاب الصليحي، واستعاد الحكم لفترة قصيرة.

إلا أن الملكة أروى بنت أحمد الصُّلَيْحِيّ، التي كانت تدير شؤون الدولة الصُّلَيْحِيَّة بِالنِّيَابَةِ عَن زوجها الْمُكَرّم الصُّلَيْحِيّ، سارعت إلى وضع خطة للقضاء عليه، مستغلة طموحه في الاستيلاء على حصن الشِّعِر [حَاليًّا يقع فِيْ مُدِيْرِيَّة الشعر مُحَافَظَة إب]، فأرسلت أَرْوَى إلى صاحب الحصن تطلب منه مراسلة سَعِيْد الأحول وإيهامه بالانضمام إليه وتسليم الحصن لسعيد ودولته.

اطمأن سعيد إلى هذه الرسائل، وخرج بجيشه نحو الحصن، لكنه فوجئ بقوات كبيرة أعدتها الملكة أروى، فاندلعت معركة انتهت بهزيمته الكاملة ومقتله.

 

◆ مقتل سعيد الأَحْوَل:

قُتل سعيد الأَحْوَل سنة [471هـ/1079م] في إحدى المعارك التي دارت قرب حصن الشِّعِر، وقُتل معه عدد كبير من جنوده(3).

وبعد مقتله، قُطع رأسه، وأُسرت زوجته أم المعارك، وحُمل رأسه على رمح أمامها حتى وصل إلى مدينة جِبْلَةَ، حيث أُحضر أمام الملكة أروى بنت أحمد.

وتذكر المصادر أن الملكة أروى أرادت بهذا المشهد أن تثأر لما فعله سعيد الأحول قبل سنوات عند.ما رفع رأس عمها الملك علي بن محمد الصليحي أمام زوجته السيدة أسماء بنت شهاب في زبيد، فقالت أَرْوَى عبارتها الْمَشْهُوْرَة: ليت لكِ عينًا ترى يا مولاتنا أسماء رأس الأحول أمام زوجته أم المعارك وهي أَسِيْرَة”(4).

وكانت أسماء بنت شهاب قد توفيت قبل ذلك، إلا أن أروى أرادت بهذا القول التعبير عن انتقامها لعمها وعمتها.

 

◆ نهاية حكمه وعودة الدولة النَّجَاحِيَّة:

بعد مقتل سعيد الأحول، دخلت الملكة أروى مدينة “زَبِيْد” وَسَيْطَرَتْ عَلَيْهَا، وعيَّنت أسعد بن شهاب واليًا عليها، بينما فَرَّ بقية الأُمَرَاء النجاحيين، فاتجه بعضهم إلى الحبشة، في حين فرَّ أخوه أبو الطامي جيَّاش بن نَجَاح إلى الْهِنْد(5).

وبقيت زبيد تحت الحكم الصُّلَيْحِيّ نحو سنة واحدة، قبل أن يتمكن جيَّاش بن نجاح من العودة سنة [472هـ/1080م]، ويستعيد المدينة، لتعود الدولة النَّجَاحِيَّة إلى الظهور من جَدِيْد.

 

◆ مُدَّة حُكم سعيد الأحول:

بلغت مُدَّة حُكم سَعِيْد الأَحْوَل الفعلية نحو ثلاث سنوات تقريبًا، إلا أنها كانت في ثلاث فترات متقطعة بين عامَي [452 – 471هـ / 1060 – 1079م]، هِيَ:

  • الْفَتْرَة الأُوْلَى: من سنة [452هـ/1060م]، إِلَى [454هـ/1062م]، واستمرت سنتين، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [452 – 454هـ / 1060 – 1062م].
  • الْفَتْرَة الثَّانِيَة: من سنة [459هـ/1067م]، إِلَى سنة [460هـ/1067م] وَاسْتَمَرَّتْ قرابة 8 أشهر بعد مَقْتَل الملك عَلِي مُحَمَّد الصُّلَيْحِيّ.
  • الْفَتْرَة الثَّالِثَة: من سنة [471هـ/1079م]، وَاسْتَمَرَّ عدة أشهر، وانتهت بمقتله في نفس السنة [471هـ/1079م].

 

◆ الْخَاتِمَة:

يمثل سعيد الأحول بن نجاح إحدى الشخصيات المحورية في تاريخ الصراع بين الدولتين النجاحية والصليحية، فقد استطاع أكثر من مرة استعادة نفوذ أسرته رغم الهزائم والمنفى، وأظهر قدرة على استغلال الفرص السياسية والعسكرية للعودة إلى الحكم؛ إلا أن الصراع المستمر مع الدولة الصليحية حال دون استقرار حكمه، لتنتهي حياته في مواجهة مع الملكة أروى بنت أحمد، التي تمكنت من القضاء عليه وإعادة زبيد إلى السيطرة الصليحية مؤقتًا، قبل أن تستعيد الدولة النجاحية وجودها مرة أخرى بقيادة أخيه جيَّاش بن نَجَاح الحبشي.

 

◆ الهوامش:

(1) دَهْلَك: أرخبيل من الجُزُرِ تقع فِيْ الْبَحْر الأَحْمَر، كانت تتبع الْيَمَنَ ولكنها حَالِيًّا تتبع أريتريا.

(2) اللطائف السنية للعلامة الكبسي 72-73، تاريخ اليمن لعمارة الْمُسَمَّى المفيد صــ68، الصُّلَيْحِيّون 100 وما بعدها، وذكر أنه في 11 ذي القعدة، تَارِيْخ حَضْرَمَوْت للمؤرخ الْحَامِد 359 وذكر مقتله في عام [473هـ/1080م]، وكذلك انظر تَارِيْخ حَضْرَمَوْت للمؤرخ الْحَامِد 359، والفضل المزيد 57، وذكرا مقتله في عام [473هـ/1081م]، ولكن الصحيح ما أثبتناه.

(3) المفيد 74، الصُّلَيْحِيّون 131، اللطائف 76- 77، الفضل المزيد 60 وذكر أنها سنة [482هـ/1089م]، غَايَة الأَمَانِيِّ 271، المقتطف 116، وصاحب كتاب الصُّلَيْحِيّين وغَايَة الأَمَانِيِّ والمتقطف، واللطائف السنية للكبسي صـ76 ذكروا أن سعيد الأَحْوَل قُتل عام [481هـ/1088م]، أما صاحب الفضل المزيد فذكر أنه قتل في [482هـ/1089م]، أما عمارة اليمني فذكر أنه تُوُفِّيَ في عام [461هـ/1069م]، والأصح أنه قُتِل بعد وفاة أسماء بنت شهاب، أي بعد عام 467هـ/1075م، وبعد انتقال العاصمة إلى جِبْلَة، وقبل وفاة المُكَرَّم الصُّلَيْحِيّ، أي تقديرًا في عام 471/ 1079م.

(4) المفيد 74، الصُّلَيْحِيّون 131، اللطائف 76- 77، الفضل المزيد 60، غَايَة الأَمَانِيِّ 271، المقتطف 116.

(5) تَارِيْخ المُطَاع 15.

 

◆ المصادر والمراجع:

تَارِيْخ المُطَاع: تَارِيْخ الْيَمَن الإِسْلامِيّ، تأليف: العلامة المؤرخ: أحمد بن أحمد بن محمد المطاع، تحقيق: عَبْداللَّهِ محمد الحِبشي، الناشر: منشورات المدينة، شركة دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1407هـ – 1986م.

تَارِيْخ حَضْرَمُوْت للحامد: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، تأليف: صَالِح الْحَامِد، مكتبة الإرشاد، صَنْعَاء الْيَمَن، توزيع: مكتبة تريم الحديثة، الطبعة الثانية 1423هـ – 2003م.

الصُّلَيْحِيّون والحركة الفاطمية في اليمن، تأليف: حسين بن فيض الله الهمداني اليعبري الحرازي، بالاشتراك مع الدكتور حسن سليمان محمود الجهني، منشورات المدينة، صنعاء، اليمن، الطبعة الثالثة 1407هـ – 1986م.

غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن علي، تحقيق وتقديم: د. سعيد عَبْدالفَتَّاحِ عاشور، مراجعة: د. محمد مصطفى زيادة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1388هـ – 1968م، منتدى سور الأزبكية.

الفَضْلُ المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زَبِيْد، تأليف: العلامة عَبْدالرَّحْمَنِ بن عَلِي مُحَمَّد الدَّيْبَع الشيباني. تحقيق: الدكتور يوسف شُلحُد، مركز الدراسات والبحوث الْيَمَني، صنعاء،1983م.

اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الكبسي المتُوُفِّيَ 1308هـ، تحقيق: خالد أَبَازيد الأذرعي؛ أبو حسان، مكتبة الجيل الجديد، الْيَمَن، صنعاء؛ الطبعة الأولى 1426هـ – 2005م.

المُفِيْدُ فِيْ أَخْبَار صَنْعَاء وَزَبِيْد وشعراء ملوكها وأعيانها وأدبائها، (تاريخ الْيَمَن لعمارة الْيَمَنِيّ)، تأليف: نجم الدين عمارة بن علي اليمني الشاعر المشهور. حققه وضبط أعلامه وعلق عليه وقدم له بالإضافة إلى مقدمة وتعليقات الناشر الأول (كاي) سنة 1892م المترجمة ترجمة دقيقة: الدكتور حسن سليمان محمود. مكتبة الإرشاد، الجمهورية اليمنية، صنعاء، الطبعة الأولى 1425هـ – 2004م.

المُفِيْدُ فِيْ أَخْبَارِ صَنْعَاءَ وَزَبِيْد، وشعراء ملوكها وأعيانها وأدبائها، (تاريخ اليمن)، تأليف: نجم الدين عمارة بن علي اليمني الشاعر المشهور. تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي، مطبعة السعادة. الطبعة الثانية، 1396هـ – 1976م.

المُقْتَطَفُ من تَارِيْخ الْيَمَن، تأليف: عَبْداللَّهِ عَبْدالْكَرِيْمِ الْجِرَافِيّ، تَقْدِيْم: زيد بن علي الوزير، منشورات العصر الحديث، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1407هـ – 1987م.

* * * 

 

You might also like