الإمام أبو الفتح الدَّيْلَمِيّ.. آخر حكام الدولة الزيدية الأولى في اليمن.

[437 - 444هـ / 1046 - 1052م].

يُعَدُّ الإمام النَّاصِر أَبُوْ الْفَتْح الدَّيْلَمِيّ آخر أئمة الدولة الزيدية الأولى في اليمن، والإمام الخامس عشر من أئمة الزيدية. وقد تولى الحكم في مرحلة اتسمت بكثرة الصراعات السياسية والعسكرية بين القوى اليمنية، وشهد عهده ظهور قوة جديدة تمثلت في الدولة الصليحية بقيادة علي بن محمد الصليحي، التي استطاعت خلال سنوات قليلة أن تفرض نفوذها على معظم أنحاء اليمن، لتنتهي الدَّوْلَة الزَّيْدِيَّة الأُوْلَى بمقتل الإمام أبي الفتح سنة 444هـ/1052م، الدولة الزيدية الأولى التي كانت قد تأسست منذ قيام دولة الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي في أواخر القرن الثالث الْهِجْرِيّ.

يمانيون/ صالح مقبل فارع.

– نسب الإمام أبي الفتح الدَّيْلَمِيّ:

هو الإمام الناصر أبو الفتح الديلمي، واسمه: الناصر بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن عَبْداللَّهِ بن أحمد بن عَبْداللَّهِ بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السَّلام، ويُعَد أحد حُكَّام الْيَمَن وملوكها، والإِمَام الْخَامِس عشر من أئمة الزيدية في اليمن، وآخر حكام الدولة الزيدية الأُوْلَى.

 

– قدومه إلى اليمن وإعلان دعوته:

بدأ الإمام أبو الفتح دعوته في إقليم الديلم بإيران سنة 430هـ/1038م، ثم انتقل إلى اليمن، حيث أعلن دعوته في شوال سنة 437هـ/ أبريل 1046م، واستطاع أن يجمع حوله عددًا من الأنصار والقبائل، فاستقام له الأمر، وتولى الحكم لمدة ست سنوات، حتى مقتله سنة 444هـ/1052م.

 

– مُدَّة حكمه ومعاصروه:

اسْتَمَرَّ حُكْمُ أبي الْفَتْح الدَّيْلَمِيّ فِيْ الْيَمَن حَوَالَيْ 6 سنوات، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [شوال 437 – 444هـ / أبريل 1046 – 1052م]، وَعَاصَرَه عدة سلاطين يمنيين وغير يمنيين أهمهم: الملك اليمني علي محمد الصُّلَيْحِيّ مؤسس الدَّوْلَةِ الصُّلَيْحِيَّةِ.

 

– اتساع نفوذ الدولة في عهده:

استهل الإمام أبو الفتح عهده بحملة عسكرية لإخضاع المناطق الخارجة عن سلطته، فتمكن من دخول صعدة والسيطرة عليها، ثم اتجه شمالًا وغربًا نحو بلاد خولان عامر، وانتصر في معركة مَجْز، مما مكّنه من بسط نفوذه على تلك المناطق.

بعد ذلك تقدم جنوبًا، فدخل بلاد حاشد وبكيل، واختط حصن ظفار داوود بمنطقة “ذِيْبِيْنَ”، الذي أصبح فيما بعد من أشهر معاقل الإمام عَبْداللَّهِ بن حمزة. ثم واصل توسعه إلى عمران، ومنها تقدم نحو صنعاء مدعومًا بقبائل من همدان، فدخلها في ذي القعدة سنة 437هـ/مايو 1046م، وأقام فيها حتى صفر 438هـ/أغسطس 1046م.

وخلال فترة وجيزة أصبحت معظم مناطق شمال اليمن تحت سلطته، وأعلنت عدة قيادات يمنية ولاءها له، ومن أبرزها: جَعْفَر الْعِيَانِيّ، والمنصور بن أسعد، ويحيى بن أبي حَاشِد.

 

– جعفر الْعِيَانِيّ ودوره في الدَّوْلَة:

كان جعفر بن القاسم العياني من أبرز أنصار الإمام أبي الفتح، فعينه أميرًا للأمراء، ومنحه ربع الخراج، وولاه على صنعاء. غير أن العلاقة بين الرجلين لم تدم طويلًا، إذ نشب بينهما خلاف سياسي وعسكري استمر قرابة عام كامل، وأضعف الدولة الزيدية في وقت كانت فيه قوة جديدة تتشكل في جبال حراز، هي الدولة الصُّلَيْحِيَّة.

 

– ظهور الدولة الصُّلَيْحِيَّة:

في أواخر عهد الإمام أبي الفتح، ظهرت الدولة الصُّلَيْحِيَّة بقيادة الملك علي محمد الصُّلَيْحِيّ، الذي أعلن قيام دولته يوم الإثنين 3 جمادى الآخرة سنة 439هـ، الموافق: 24 نُوْفَمْبَر 1047م، من جبل مسار بحراز.

وسرعان ما توسعت الدولة الصليحية على حساب الدويلات اليمنية القائمة آنذاك، وتمكنت من القضاء عليها تدريجيًا، حتى أصبحت القوة السياسية والعسكرية الأبرز في اليمن، واستطاعت فيما بعد توحيد معظم أقاليم البلاد تحت سلطتها.

وقد استمرت الدولة الصليحية 91 عامًا، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [439 – 532م / 1047 – 1138م]، وتعاقب على حكمها أربعة حكام من أسرة آل الصليحي، هم:

  • علي محمد الصليحي (المؤسس).
  • الْمُكَرّم أَحْمَد عَلِي الصُّلَيْحِيّ.
  • الْمَنْصُوْر أَبُوْ حمير سَبَأ أَحْمَد الْمُظَفَّر الصُّلَيْحِيّ.
  • الْمَلِكَة أَرْوَى بنت أَحْمَد الصُّلَيْحِيّ، آخر حُكَّام الدَّوْلَة.

ومن أبرز إنجازاتها توحيد اليمن، وبناء مدينة جبلة، وتوسعة الجامع الكبير بصنعاء.

 

– المواجهة الأخيرة مع الصُّلَيْحِيّ ومقتل الإِمَام أبي الْفَتْح:

بعد أن تمكن علي بن محمد الصليحي من القضاء على خصومه، اتجه للقضاء على الإمام أبي الفتح الديلمي، الذي أخذ يتنقل بين خولان وعنس بعد أن أدرك اتساع النفوذ الصُّلَيْحِيّ.

وَفِي سنة 444هـ/ 1052م التقى الجيشان في معركة نَجْدِ الجاح بالقرب من رداع، وانتهت المعركة بانتصار الصليحيين، ومقتل الإمام أبي الفتح الديلمي، كما قُتل معه نحو سبعين رجلًا من أتباعه، ودُفنوا في موضع واحد، ثم نُقل جثمانه لاحقًا إلى منطقة حاجب بردمان في ميفعة عنس شرقي مدينة ذمار، وهو الموضع الذي عُرف فيما بعد باسم قاع الدَّيْلَمِيّ.

 

– نهاية الدولة الزيدية الأُوْلَى:

مثّل مقتل الإمام أبي الفتح الديلمي سنة 444هـ/1052م نهاية الدولة الزيدية الأولى في اليمن، وهي الدولة التي أسسها الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي قبل أكثر من قرن ونصف.

وبسقوطها أصبحت الدولة الصليحية القوة المهيمنة على اليمن، وظلت الدولة الزيدية غائبة عن الساحة السياسية نحو ستة عشر عامًا، حتى عادت للظهور مرة أخرى سنة 461هـ /1068م بقيادة الشريف الفاضل الْعِيَانِيّ.

 

– الخاتمة:

يمثل عهد الإمام أبي الفتح الديلمي المرحلة الأخيرة من تاريخ الدولة الزيدية الأولى، فقد تمكن في بداية حكمه من توسيع نفوذه والسيطرة على معظم مناطق شمال اليمن، إلا أن الصراعات الداخلية، إلى جانب الصعود السريع للدولة الصليحية بقيادة علي محمد الصليحي، غيّرت موازين القوى في البلاد. وانتهى عهده بمقتله في معركة نجد الجاح سنة 444هـ/1052م، لتنتهي بذلك الدولة الزيدية الأولى، وتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ اليمن اتسمت بسيطرة الدولة الصليحية وتوحيدها معظم أقاليم الْبِلاد.

 

– المصادر والمراجع:

أَئِمَّةُ اليمن تأليف: مُحَمَّد بن مُحَمَّد زبارة.

بلوغ المرام للعَرَشِي: بلوغ المرام في شرح مسك الختام، فيمن من تولَّى مُلْك اليمن من مَلِكٍ وإمامٍ، تأليف المؤرخ القاضي/ حسين بن أَحْمَد العَرَشي.

تَارِيْخ المُطَاع: تَارِيْخ الْيَمَن الإِسْلامِيّ، تأليف: العلامة المؤرخ: أحمد بن أحمد بن محمد المُطَاع.

تَارِيخ الْيَمَن للواسعي الْمُسَمَّى: “فُرْجَةُ الْهُمُومِ وَالحَزَنِ فِيْ حَوَادِثِ تَارِيْخ الْيَمَنِ“، تأليف: العلامة المؤرخ: عَبْدالْوَاسِعِ بن يَحْيَى الواسعي اليماني.

التُّحَفُ شَرْحُ الزُّلَفِ، تأليف الإمام مَجْدالدِّيْنِ مُحَمَّد الْمُؤَيَّدِيّ.

الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية، تأليف: الشهيد حُميد المحلي.

الصُّلَيْحِيّون والحركة الفاطمية في اليمن، تأليف: حسين بن فيض الله الهمداني اليعبري الحرازي، بالاشتراك مع الدكتور حسن سليمان محمود الجهني.

غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن عَلِي.

اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الْكِبْسِي.

مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار، ويسمى اللواحق الندية بالحدائق الوردية (شرح بسامة السيد صارم الدين الوزير)، تأليف: العلامة محمد بن علي بن يونس الزحيف المعروف بابن فَنَد.

المُقْتَطَفُ من تَارِيْخ الْيَمَن، تأليف: عَبْداللَّهِ عَبْدالْكَرِيْمِ الْجِرَافِيّ.

* * *

You might also like