عصر “التبعية المشروطة”.. حلفاء الناتو بين الالتزامات الدفاعية ورفض الحروب “غير الشرعية” مع واشنطن ​

يمانيون |
​لم تعد الهيمنة الأمريكية على القرار السيادي الأوروبي قدراً محتوماً، فالمشهد الجيوسياسي الذي أفرزته المواجهة الأخيرة مع الجمهورية الإسلامية في إيران كشف عن تصدعات عميقة في جدار حلف “الناتو”.

في لحظة فارقة من تاريخ الصراع، اختارت مدريد أن تضع حداً لسياسة “الشيك على بياض” الممنوح لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، معلنةً دخول القارة في عصر “التبعية المشروطة”.

​إن الموقف الإسباني، الذي تلاه حذر بريطاني لافت، لم يكن مجرد إجراء فني أو لوجستي، بل كان بمثابة إعلان استقلال سياسي وأخلاقي أمام اندفاعة أمريكية-إسرائيلية تفتقر للشرعية الدولية وتصطدم بصخرة الصمود الإيراني.

نحن أمام مشهد يعيد تعريف “الأمن القومي الأوروبي”، حيث بات الحلفاء يدركون أن الانجرار خلف المغامرات الأمريكية المتهورة ضد طهران لا يعني سوى الانتحار الاقتصادي والعسكري، وسقوط ما تبقى من هيبة للقانون الدولي.

​الضربة الإسبانية القاصمة.. عندما تتحول السيادة إلى سلاح “تحريم”

في خطوة تجاوزت التوقعات، أعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبليز، قراراً تاريخياً بفرض “التحريم الجوي” والبري على القوات الأمريكية فيما يخص أي عمليات عسكرية تستهدف إيران.

هذا الإجراء لم يكتفِ برفض استخدام القواعد العسكرية المشتركة مثل “روتا” و”مورون”، بل امتد ليشمل منع استخدام الأجواء الإسبانية لعمليات “تعبئة الطاقة” وتزويد الطائرات بالوقود جوًا.

​هذا الموقف الإسباني يمثل ذروة الرفض للعدوان الأمريكي، حيث استندت مدريد إلى “الاتفاقية الثنائية” التي تحكم القواعد المشتركة لتؤكد أن هذه القواعد ليست “أرضاً أمريكية”، بل هي سيادة إسبانية لا تُمنح إلا للأغراض القانونية.

وبكل صراحة ووضوح، وصفت روبليز العدوان الأمريكي بأنه “غير شرعي وغير قانوني”، مشددة على أن إسبانيا “دولة ذات سيادة لا ترغب في المشاركة في حروب غير شرعية”.

​إن حظر عمليات التزويد بالوقود في الأجواء الإسبانية يعني عملياً وضع عقبات تقنية وعسكرية هائلة أمام القاذفات والطائرات الأمريكية التي تحتاج لقطع مسافات طويلة للوصول إلى منطقة الصراع.

هذا “الفيتو الجغرافي” الإسباني هو اعتراف غير مباشر بقوة الردع الإيرانية، حيث تدرك مدريد أن أي مساهمة في هذا العدوان ستجعلها شريكة في خرق ميثاق الأمم المتحدة وستعرض مصالحها للخطر المباشر.

بريطانيا وسراب “القيادة”.. شعار “ليست حربنا” كطوق نجاة

​وعلى الجانب الآخر من القارة، كان الموقف البريطاني يترنح بين التحالف التاريخي مع واشنطن وبين الواقعية السياسية التي فرضتها توازنات القوة الجديدة.

رئيس الحكومة البريطانية، كير ستارمر، وجد نفسه مضطراً لتكرار عبارة “هذه ليست حربنا ولن ننجر إليها” كتعويذة سياسية لامتصاص الغضب الشعبي وتجنب التورط في مستنقع لا قرار له.

​ستارمر، الذي يحاول الحفاظ على شعرة معاوية مع قطاع الطاقة والشحن، يدرك أن القدرات الأمريكية-الإسرائيلية فشلت على مدار شهر كامل في تغيير معادلات الحرب أو كسر إرادة طهران.

لذا، حصر الدور البريطاني في “إجراءات دفاعية” لحماية الأرواح والمصالح البريطانية، في محاولة للهروب من استحقاقات الهجوم العسكري المباشر.

​هذا التراجع البريطاني، وإن كان مغلفاً بعبارات الدعم للحلفاء، يعكس حقيقة أن لندن لم تعد تثق في قدرة واشنطن على حسم المعركة.

الحديث عن “دراسة ما يمكن فعله في مضيق هرمز” مع التشديد على “الحوار السياسي” هو إقرار ضمني بأن القوة العسكرية الغربية تقف عاجزة أمام السيطرة الإيرانية المطلقة على هذا الممر الملاحي الحيوي، وأن أي مغامرة فيه ستؤدي إلى شلل تام في الاقتصاد العالمي لا تستطيع بريطانيا تحمل تبعاته.

​فشل “قوة الغطرسة” أمام ثبات “محور المقاومة”

و​بعد مرور شهر على بدء العدوان الأمريكي-الإسرائيلي، يتضح جلياً أن الآلة العسكرية التي لطالما تباهت بها واشنطن قد فشلت في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية.

إن ثبات إيران وقدرتها على امتصاص الضربات وتوجيه ردود قاسية ومدروسة قد أحدث صدمة في العواصم الأوروبية.

​الموقف الإسباني والبريطاني لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لهذا الفشل الميداني.

فأوروبا “متيقنة”، كما ورد في المعطيات، من أن القوة العسكرية لن تفتح مضيق هرمز، بل ستزيده انغلاقاً.

إن الإصرار الإيراني على السيادة الوطنية والتحكم في الممرات المائية جعل القادة الأوروبيين يدركون أن “الدبلوماسية والحوار مع طهران” هما الطريق الوحيد لتأمين تدفق الطاقة، وليس عبر بوارج “حاملات الطائرات” التي أصبحت أهدافاً محتملة بدلاً من كونها أدوات ضغط.

​لقد سقطت معادلة “الترهيب الأمريكي”، وحلت محلها معادلة جديدة تؤكد أن إيران رقم صعب لا يمكن تجاوزه، وأن الرهان على هزيمتها عسكرياً هو رهان خاسر سيكلف الحلفاء أثماناً باهظة في أمنهم واقتصادهم.

ديمقراطية الشارع وتغيير بوصلة القرار

و​لا يمكن فصل المواقف السياسية لمدريد ولندن عن “الرفض الشعبي الأوروبي المتزايد”.

لقد خرجت الجماهير الأوروبية لتعبر عن رفضها القاطع لكونها “وقوداً” لحروب أمريكا من أجل حماية الكيان الإسرائيلي.

​في بريطانيا، كان قلق ستارمر من الانتخابات المحلية المقررة في السابع من مايو محركاً أساسياً لخطابه الدفاعي.

إن الناخب الأوروبي بات يربط بين غلاء المعيشة وأزمات الطاقة وبين السياسات التبعية لواشنطن.

هذا الضغط الشعبي منح القادة الأوروبيين “الغطاء” اللازم للتمرد على الإملاءات الأمريكية، والبحث عن مخارج دبلوماسية تحفظ لهم ماء الوجه وتجنب بلادهم ويلات الانخراط في حرب مدمرة لا تخدم سوى الطموحات التوسعية للصهيونية وحلفائها في البيت الأبيض.

​الخاتمة: نحو نظام عالمي أكثر توازناً

​إن ما نعيشه اليوم هو البداية الفعلية لنهاية التفرد الأمريكي بالقرار الدولي.

إن قرار إسبانيا بمنع استخدام أجوائها وقواعدها، وحذر بريطانيا من “الانجرار” للحرب، يمثلان اعترافاً صريحاً بأن “الحروب غير الشرعية” التي تقودها واشنطن لم تعد تلقى قبولاً حتى لدى أقرب حلفائها.

​لقد أثبتت إيران، عبر صمودها الأسطوري وحكمتها في إدارة الصراع، أنها قادرة على انتزاع الاعتراف بسيادتها ومصالحها من قلب القارة الأوروبية.

إن العالم ينتقل من زمن “الأوامر الأمريكية” إلى زمن “الحوار مع الأقوياء”، حيث لا مكان للغطرسة أمام إرادة الشعوب والدول التي ترفض التبعية.

​إن “عصر التبعية المشروطة” هو الخطوة الأولى نحو تحرر أوروبا من الوصاية الأمريكية، وهو انتصار سياسي كبير لمحور المقاومة الذي أثبت أن الحق والقوة عندما يجتمعان، يجبران أعتى القوى الاستعمارية على التراجع وإعادة الحسابات. إن الخيار أمام الغرب اليوم بات واضحاً: إما حوار يحترم سيادة إيران وحقوقها، أو الغرق في مستنقع الفشل الذي بدأت ملامحه تلوح في أفق مدريد ولندن.

You might also like