“المبادرة الخليجية” في ميزان السيادة.. كيف هندست واشنطن والرياض استباحة القرار اليمني؟
لم تكن “المبادرة الخليجية” التي سُوّقت للعالم كطوق نجاة سياسي، سوى فخٍ محكمٍ نُصب لمصادرة الإرادة اليمنية وتكبيل البلاد بقيود الوصاية الخارجية وفي خضم التحولات التاريخية التي عصفت بالمنطقة، وقف اليمن على مفترق طرق حاسم بين التبعية والاستقلال, ومع سقوط هذه الأقنعة بفضل الوعي الشعبي وثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، كشرت دول الاستكبار الأمريكي السعودي عن أنيابها لتشن عدواناً غاشماً لم يكن هدفه إعادة “شرعية” مزعومة، بل استباحة القرار اليمني ونهب ثرواته الاستراتيجية والهيمنة عليه.
يمانيون| محسن علي
في هذا التقرير، نغوص في أعماق المشهد اليمني، مستلهمين الرؤية الثاقبة والتحليل الدقيق من خطابات قائد الثورة، السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، لنكشف كيف تحولت المبادرات الدبلوماسية إلى أدوات هيمنة، وما هي الأهداف الحقيقية التي سعت دول العدوان لتحقيقها على حساب دماء وسيادة اليمنيين.
هندسة أمريكية بغطاء إقليمي لمصادرة السيادة
لطالما شُخّصت الأزمة اليمنية في الدوائر الغربية والخليجية من منظور المصالح الضيقة، وجاءت ما يسمى “المبادرة الخليجية” في عام 2011 لتكرس هذا المفهوم, وفي قراءة متأنية لخطابات قائد الثورة، السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، نجد تفكيكاً دقيقاً لطبيعة هذه المبادرة, فقد أكد السيد القائد في محطات عدة أن المبادرة الخليجية لم تكن سوى “صيغة أمريكية قُدمت بعنوان خليجي”، وكانت تخضع لإشراف مباشر من السفير الأمريكي في صنعاء آنذاك .
إعادة انتاج النظام السابق بوجوه جديدة
لم تكن هذه المبادرة تهدف إلى حل الأزمة اليمنية بقدر ما كانت تسعى إلى إعادة إنتاج النظام السابق بوجوه جديدة، وضمان بقاء اليمن في مربع التبعية,’ لقد أسست المبادرة لمرحلة خطيرة سُميت بـ”وصاية الدول العشر”، حيث أصبح سفراء هذه الدول هم الحكام الفعليين للبلاد، يتدخلون في أدق التفاصيل السياسية والعسكرية والأمنية، مما أوصل النظام السابق في تماهيه مع هذه الوصاية إلى حد القبول بوضع اليمن تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة .
أهداف دول العدوان.. استباحة القرار ونهب الثروات
عندما أدركت قوى الهيمنة والاستكبار أن الشعب اليمني يتجه نحو التحرر الفعلي وكسر قيود الوصاية من خلال ثورة 21 سبتمبر، سارعت إلى شن عدوانها العسكري الشامل, لم يكن هذا العدوان وليد اللحظة، بل كان خياراً بديلاً بعد فشل أدوات “الحرب الناعمة” والسياسية في تدجين اليمنيين وإخضاعهم.
حقيقة أهداف المبادرة في خطابات القائد
تُبرز خطابات قائد الثورة الأهداف الحقيقية والواضحة لدول العدوان، والتي تتجاوز الشعارات المعلنة، وتتركز في النقاط التالية:
مصادرة القرار السياسي: كان الهدف الأول والأسمى للتحالف الإجرامي هو إعادة اليمن إلى بيت الطاعة، ومنع أي محاولة لبناء دولة يمنية مستقلة ذات سيادة تمتلك قرارها بعيداً عن الإملاءات الخارجية .
السيطرة على الموقع الاستراتيجي: يؤكد السيد القائد أن موقع اليمن الجغرافي الاستراتيجي، وإشرافه على أهم الممرات المائية العالمية (باب المندب)، جعله في مقدمة بنك أهداف الأمريكيين وأدواتهم الإقليمية .
نهب الثروات والمقدرات: سعت دول العدوان إلى إبقاء اليمن دولة ضعيفة وممزقة لتسهيل عملية السيطرة على ثرواتها النفطية والغازية والمعدنية، وحرمان الشعب اليمني من الاستفادة من مقدراته.
طمس الهوية الإيمانية: أشار قائد الثورة مراراً إلى أن العدوان يحمل أبعاداً ثقافية وفكرية تهدف إلى مسخ الهوية اليمنية الأصيلة، وإحلال ثقافات دخيلة تسهل عملية السيطرة والتدجين .
ثورة 21 سبتمبر.. طوق النجاة وميلاد الاستقلال
في مواجهة هذا المخطط التدميري، برزت ثورة 21 سبتمبر 2014م كضرورة حتمية لإنقاذ اليمن من الانزلاق نحو الهاوية, إذ وصف السيد القائد هذه الثورة بأنها جاءت لتضع حداً للانهيار والمجاعة والبؤس الذي كان يهدد البلاد في ظل سلطة خاضعة بالكامل للوصاية الأمريكية, وحققت الثورة الشعبية المبارك إنجازات استراتيجية، لعل أبرزها استقلال القرار السياسي، وتحرير اليمن من التبعية للخارج، وتخليصه من قوى الفساد التي عبثت بثرواته لعقود, وبفضل هذا الصمود الأسطوري والقيادة الحكيمة، تحول اليمن من دولة تابعة ومستباحة إلى قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب، قادرة على الدفاع عن سيادتها ومساندة قضايا الأمة الكبرى.
الخاتمة
إن القراءة المتعمقة في خطابات قائد الثورة تكشف بوضوح زيف الشعارات التي تلطخت بها المبادرات السياسية والتدخلات العسكرية في اليمن, لقد كانت “المبادرة الخليجية” مجرد حصان طروادة لاختراق السيادة اليمنية ومؤامرة كبرى على الشعب اليمني، وحين فشلت، جاء العدوان العسكري ليستكمل المهمة, غير أن وعي الشعب اليمني وتمسكه بقيادته واستقلاله أفشل كل تلك المخططات، ليثبت للعالم أن إرادة الشعوب الحرة لا يمكن أن تُصادر، وأن اليمن سيبقى مقبرة للغزاة وموطناً للقرار المستقل, وما بعد 21 سبتمبر ليس كما قبله.