باب المندب .. حين تتكلم الجغرافيا بلغة السيادة

في لحظات التحولات الكبرى، لا تصبح الجغرافيا مجرد تضاريس وحدود، بل تتحول إلى عنصر فاعل في صناعة القرار السياسي والاقتصادي،  واليمن، بما يمتلكه من موقع استراتيجي استثنائي، يقف اليوم في قلب واحدة من أهم المعادلات الجيوسياسية في العالم، حيث يتربع مضيق باب المندب بوصفه أحد أبرز شرايين التجارة والطاقة الدولية،  من هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة،  هل يملك اليمن حقاً سيادياً وطبيعياً في الاستفادة من هذا الموقع الجغرافي الفريد؟
إن النقاش حول باب المندب لم يعد مجرد نقاش قانوني حول حرية الملاحة، بل أصبح نقاشاً أوسع يمس مفهوم السيادة، والعدالة الاقتصادية، وازدواجية المعايير في النظام الدولي المعاصر.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

الجغرافيا تمنح اليمن ورقة قوة استثنائية

باب المندب ليس مجرد ممر مائي عابر، بل عقدة استراتيجية تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط،  هذا الموقع يجعل اليمن طرفاً رئيسياً في حركة التجارة الدولية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم البحرية، إلى جانب ملايين البراميل من النفط يومياً،  هذه الحقيقة الجغرافية تمنح اليمن حقاً سيادياً وسياسياً لا يمكن تجاهله، فالموقع ليس هبة مجانية للعالم، بل جزء أصيل من الموارد الطبيعية والجغرافية للدولة اليمنية،
وفي الوقت الذي تستفيد فيه قوى دولية كبرى من هذا الممر الحيوي، يبقى اليمن غارقاً في أزمات اقتصادية وإنسانية خانقة، الأمر الذي يعيد طرح سؤال العدالة بوضوح:  كيف يمر هذا الحجم الهائل من الثروة العالمية عبر الجغرافيا اليمنية دون أن ينعكس على حياة اليمنيين؟

بين السيادة وحرية الملاحة

لطالما استندت الدول الكبرى إلى مبدأ “حرية الملاحة” في المضائق الدولية كمرتكز قانوني لمنع أي قيود على حركة السفن،  لكن جوهر الإشكال لا يكمن في النصوص القانونية فحسب، بل في الطريقة التي تُستخدم بها هذه النصوص.
فالقانون الدولي، كما يراه كثيرون، كثيراً ما يُستدعى حين يتعلق الأمر بمصالح القوى الكبرى، بينما يتم تجاهله أو الالتفاف عليه عندما تُنتهك سيادات الدول الضعيفة أو تُفرض عليها الحروب والعقوبات،  هذا التناقض يجعل الحديث عن “القانون الدولي” في نظر الرأي العام العربي واليمني يبدو حديثاً انتقائياً، يخضع لموازين النفوذ أكثر مما يخضع لمعايير العدالة.

اليمن .. الجغرافيا المستنزفة والاقتصاد المحروم

من أكثر المفارقات إيلاماً أن اليمن، رغم امتلاكه واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، يُصنف ضمن أفقر دول العالم، مع انهيار واسع في الخدمات الأساسية واعتماد نسبة كبيرة من السكان على المساعدات الإنسانية،  إن الموقع الاستراتيجي الذي كان يمكن أن يكون مصدراً دائماً للإيرادات الوطنية، تحول بفعل الظروف السياسية والضغوط الدولية إلى مجرد ممر مجاني تعبر منه مصالح الآخرين،  وهنا يتبلور البعد الاقتصادي للقضية،  أليس من حق الدولة أن تحول موقعها الجغرافي إلى مورد وطني مشروع؟ ،  الدول حول العالم تستثمر مواقعها وممراتها الاستراتيجية في تحقيق عوائد ضخمة، سواء عبر الرسوم، أو الخدمات اللوجستية، أو تسجيل السفن، أو إدارة الموانئ، أو تقديم خدمات السلامة البحرية،  فلماذا يصبح هذا الحق مشروعاً حين تمارسه دول أخرى، ويُصوَّر كتهديد حين يُطرح في الحالة اليمنية؟

ازدواجية المعايير الدولية

من يتحدث اليوم عن حرية الملاحة هو ذاته من صمت أمام انتهاكات جسيمة لسيادات دول وشعوب في أكثر من منطقة،  الدول التي تتذرع بالقانون الدولي هي نفسها التي دعمت حروباً مدمرة، وفرضت حصارات اقتصادية، وغضت الطرف عن احتلالات وانتهاكات مستمرة،  هذه الازدواجية تجعل النقاش يتجاوز القانون إلى السياسة، بل إلى فلسفة النظام العالمي نفسه، حيث تبدو القواعد في كثير من الأحيان مصممة لحماية مصالح الأقوياء،  ولهذا، فإن أي حديث عن حق اليمن في الاستفادة من موقعه لا يمكن فصله عن هذا السياق الدولي المختل.

السيادة .. أكثر من مجرد حدود

السيادة ليست مجرد علم يرفرف فوق المؤسسات، وليست مجرد اعتراف دبلوماسي في المحافل الدولية،  السيادة في معناها الحقيقي تعني أن تمتلك الدولة حق التصرف في مواردها الطبيعية والجغرافية بما يحقق مصالح شعبها،  وباب المندب، في هذا السياق، ليس مجرد مضيق دولي، بل مورد استراتيجي يطرح سؤالاً مشروعاً حول حق اليمن في الاستفادة منه اقتصادياً ضمن رؤية سيادية واضحة،  إن حرية الملاحة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تعني بالضرورة مجانية العبور أو حرمان الدولة الساحلية من أي منفعة مشروعة.

 

ختاما

في نهاية المطاف، يظل باب المندب عنواناً لصراع أوسع بين منطق السيادة الوطنية ومنطق الهيمنة الدولية،  والجغرافيا تقول إن اليمن يمتلك موقعاً لا يمكن تجاوزه،  والعدالة الاقتصادية تقول إن لهذا الموقع حقاً في أن يتحول إلى مورد وطني،  ومفهوم السيادة يقول إن للدولة حق الاستفادة من أوراق قوتها،  إن حرية الملاحة لا يجب أن تكون مرادفاً لحرمان اليمن من حقه الطبيعي في استثمار موقعه، بل يجب أن تُبنى المعادلة على أساس التوازن بين مصالح العالم وحقوق الدولة الساحلية.

You might also like