يوم الأرض في ذكراه الخمسين.. صراعُ الجذورِ يَقودُ ملحمةَ البقاء فوقَ الترابِ الفلسطيني

يمانيون |
خمسون عاماً مضت، ولم تكن الأيامُ مجرد أرقامٍ تُطوى في سجلات التاريخ، بل كانت أثلاماً يحفرها الفلسطيني بأظافره في صدر أرضه، ليثبت للعالم أن الجغرافيا لا تُهزم بالخرائط العسكرية، وأن التاريخ لا يكتبه المارّون العابرون بل يكتبه الباقون كأشجار الزيتون.

أطلُّت علينا يوم أمس الذكرى الخمسون لـ “يوم الأرض” عام 2026، والواقع الفلسطيني يمرُّ بأشد مراحله قسوة وعنفواناً في آن واحد؛ حيث تلتقي ذكرى شهداء عام 1976 في الجليل والمثلث والنقب، مع دماء الشهداء في غزة والضفة، لترسم لوحةً سريالية من الصمود الأسطوري.

إنها معركة الوجود التي لم تتوقف لحظة واحدة، حيث يتحول التراب من مجرد مساحة جغرافية إلى كينونة وطنية، ويتحول المزارع من فلاح بسيط إلى حارس للمقدس الوطني.

من الجليل إلى غزة.. جغرافيا الصمود ووحدة المصير

بدأت الحكاية في الثلاثين من مارس عام 1976، حين انتفض الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1948 ضد قرارات مصادرة آلاف الدونمات.

كانت تلك الصرخة هي الإعلان الرسمي عن فشل رهان الاحتلال على “أسرلة” الإنسان أو “تهويد” المكان.

واليوم، وبعد مرور نصف قرن، نجد أن “عقلية المصادرة” الصهيونية لم تتغير، بل تطورت إلى “عقلية إبادة” واقتلاع شاملة.

إن ما نراه اليوم في قطاع غزة من تدمير ممنهج للبنية التحتية، وما نشهده في الضفة الغربية من تغوّل استيطاني يبتلع أكثر من 40% من مساحتها، ليس إلا امتداداً عضوياً لتلك السياسة التي بدأت قبل خمسة عقود.

الاحتلال يحاول اليوم، بأدواته التكنولوجية الفتاكة، أن يكمل ما بدأه بالجرافات القديمة؛ يريد تحويل المدن الفلسطينية إلى جزر معزولة (كانتونات) مقطوعة الأوصال، لكسر وحدة الهوية الجغرافية.

لكن الذكرى الخمسين تأتي لتقول إن الدم الذي سُفك في غزة هو ذاته الذي روى أرض “سخنين” و”عرابة”، موحداً الشعب في خندق الدفاع عن “الحق في الوجود”.

المزارع سلطان.. أيقونة التحدي وسلاح “الفأس” في وجه “الجرافة”

وفي قلب هذا الصراع الوجودي، يبرز المزارع الفلسطيني كنموذج حيّ للإنسان الذي يرفض الانكسار.

حين يقف المزارع وسط أرضه التي جرفها الاحتلال مراراً، ليعلن بهدوء الواثق: “هنحييها من أول وجديد”، فإنه لا يتحدث عن مجرد عملية زراعية، بل يمارس فعلاً نضالياً يتجاوز حدود الفلاحة.

إن إصرار سلطان على العودة إلى أرضه المدمرة كلياً، وحرثها وزرعها من جديد “غصباً عن الاحتلال”، يمثل فشل المنظومة العسكرية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها البعيدة.

فالاحتلال يراهن على “اليأس” كوسيلة للتهجير الصامت، لكن المزارع الفلسطيني يراهن على “البركة” و”التعب” والارتباط الوجداني بالتراب.

هذا النوع من “المقاومة بالزراعة” هو أشد إيلاماً للمحتل من أي سلاح آخر؛ لأنه يثبت أن الفلسطيني متجذر في هذه الأرض، وأن محاولات تحويل غزة أو أي منطقة فلسطينية إلى “أرض محروقة” لن تنجح ما دام هناك إنسان يؤمن بأن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

غزة والضفة.. استراتيجية “الترميم” في مواجهة “الهندسة الدموية”

يعيش الفلسطينيون اليوم في عام 2026 تحدياً غير مسبوق؛ فالعدوان الغاشم والحصار الخانق على غزة، وتمدد “السرطان الاستيطاني” في الضفة، يهدفان إلى إعادة هندسة المكان ديمغرافياً وجغرافياً.

المحلل والمراقب للمشهد يدرك أن الاحتلال يسابق الزمن لفرض واقع لا يمكن التراجع عنه، خاصة في المناطق المصنفة (ج).

ومع ذلك، فإن الرد الفلسطيني جاء عبر استراتيجية “الترميم الفوري”؛ فكلما هدم الاحتلال بيتاً أو جرف مزرعة، هب الفلسطينيون لترميم هويتهم فوق ذاك الحطام.

التجمع الجماهيري قبالة مقر الصليب الأحمر في غزة في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، هو رسالة سياسية بليغة: “لن نغادر”.

إن تأكيد المتحدثين على التمسك بالقدس والأسرى واللاجئين في هذه الذكرى بالذات، يعني أن معركة الأرض هي “أم المعارك”، وهي المظلة التي تجتمع تحتها كل عناوين النضال الفلسطيني.

إنها مواجهة بين “عقلية القلعة” الاستيطانية المنغلقة، وبين “عقلية الأرض” المنفتحة على المستقبل والحرية.

الفشل الصهيوني في كيّ الوعي وتآكل الرهانات

وعلى مدار 77 عاماً من الاحتلال، و50 عاماً من يوم الأرض، راهنت “إسرائيل” على أن “الكبار يموتون والصغار ينسون”.

لكن الذكرى الخمسين تثبت العكس تماماً؛ فالشباب الذين يقودون اليوم المسيرات في غزة والضفة، والذين يطورون أدوات المقاومة الشعبية والإعلامية، هم أحفاد أولئك الذين انتفضوا عام 1976.

الاحتلال اليوم يواجه جيلاً فلسطينياً لا يرى في الأرض “عقاراً” للبيع أو المساومة، بل يراها “كرامة” وطنية وشخصية.

الفشل الصهيوني لم يعد عسكرياً فقط، بل هو فشل أخلاقي ومعرفي؛ إذ لم يستطع برغم كل القوة العسكرية أن ينتزع “فكرة فلسطين” من وجدان الأجيال.

إن الحراك العالمي الذي نشهده اليوم في العواصم الكبرى، والذي يربط بين نضالات السبعينيات ومأساة غزة اليوم، يعكس أن معركة الأرض انتقلت من الحيز المحلي إلى الفضاء العالمي، لتصبح قضية “عدالة إنسانية” يرفض العالم فيها استمرار سياسات التطهير العرقي.

دور المقاومة كحائط صد استراتيجي

لا يمكن تحليل ذكرى يوم الأرض بمعزل عن “فعل المقاومة”.

فقوى الجهاد والمقاومة الفلسطينية باتت اليوم تمثل “الدرع” الذي يحمي ما تبقى من الأرض، و”السيف” الذي يسعى لاستعادة ما سُلب.

إن الرؤية السياسية لهذه القوى تؤكد أن الحق في الأرض “غير قابل للتصرف أو التقادم”، وأن لغة القوة هي الوحيدة التي يفهمها المحتل لوقف نزيف المصادرات.

في الذكرى الخمسين، تتجلى المقاومة ليس فقط كعمل عسكري، بل كفعل “حماية وجودية” للمجتمع.

فالمقاومة هي التي تمنع الاحتلال من الاستفراد بالقرى والبلدات، وهي التي تجعل ثمن الاستيطان باهظاً ومكلفاً.

إن الربط بين “يوم الأرض” و”العهد والوعد” للقدس والأسرى، يعزز مفهوم “المقاومة الشاملة” التي تخوضها فلسطين اليوم دفاعاً عن المبتدأ والمنتهى.

الخاتمة: الفجرُ الذي يخرجُ من ثنايا التراب

في ختام هذا التقرير، وبعد نصف قرن من المواجهة المستمرة، يظل المشهد الفلسطيني عصياً على الكسر.

إن ذكرى يوم الأرض في عام 2026 ليست مجرد بكاء على أطلال، بل هي “إعلان انتصار الوعي” على القوة الغاشمة.

المزارع الفلسطيني، والشهيد الذي سقط وهو يرفع العلم، والمقاوم الذي يرابط في نفق، جميعهم يؤلفون نصاً واحداً عنوانه: “الأرضُ لنا، والقدسُ موعدنا، والبقاءُ قدرنا”.

لقد أثبتت الخمسون عاماً الماضية أن الصمود فوق التراب هو “السد المنيع” الذي سيحسم في نهاية المطاف مآلات هذا الصراع التاريخي. الاحتلال، مهما امتلك من تكنولوجيا الموت، يبقى “غريباً” عن هذه الأرض، بينما الفلسطيني، بجذوره الضاربة في أعماق التاريخ، يبقى هو “صاحب البيت” الذي لا يرحل.

في يوم الأرض الخالد، يجدد الفلسطيني عهده: “لا إسرائيل ولا غير إسرائيل ستأخذ هذه الأرض؛ سنحييها من أول وجديد، وسنورثها لأولادنا وأولاد أولادنا.. غصباً عن كل المتآمرين”.

You might also like