من جنوب لبنان إلى “يافا” المحتلة.. المقاومة اللبنانية تفرض معادلة الاستنزاف وتدمر مراكز الثقل العسكري للعدو الإسرائيلي

يمانيون |
​بينما كانت آلة الدعاية الصهيونية الممنهجة تحاول تسويق دبابة “الميركافا” كقلعة حصينة لا تُقهر، وجوهرة التكنولوجيا العسكرية العالمية، جاءت بيانات المقاومة الإسلامية في لبنان منذ الثامن من أكتوبر 2023، وصولاً إلى ذروة العمليات في الثلاثين من مارس 2026، لتقدم رواية مغايرة تماماً؛ رواية كُتبت فصولها ببارود المجاهدين وصواريخهم النوعية التي أذابت فولاذ “فخر الصناعة” الإسرائيلية.

لم تكن المعركة مجرد صدٍ لمحاولات توغل، بل تحولت إلى عملية تدمير تكتيكية منظمة استهدفت العمود الفقري لجيش العدو، فارضةً معادلة “الرمال المتحركة” التي ابتلعت ألوية النخبة المدرعة، ووصلت نيرانها إلى مراكز الثقل الاستراتيجي في “يافا” المحتلة (تل أبيب) وحيفا، لتعلن سقوط عقيدة “التفوق المدرع” الإسرائيلي إلى الأبد.

حصاد تذويب الفولاذ.. “الميركافا” في مقبرة الجنوب

​تُشير الإحصاءات الميدانية والتحليلية التراكمية إلى أن سلاح المدرعات الصهيوني تعرض لعملية استنزاف هي الأعنف في تاريخه.

فقد تمكنت المقاومة من تحييد وتدمير ما يقارب 274 دبابة ميركافا من طرازي “مارك 3 و4″، في حصيلة مرعبة تعكس انهياراً بنيوياً في تكتيكات العدو.

هذا المسار التدميري لم يكن عشوائياً، بل مرّ بثلاث مراحل مفصلية أدت إلى هذا العجز الصهيوني:

  • ​مرحلة الاستنزاف الحدودي: شهدت اصطياد نحو 50 دبابة في المواقع الأمامية عبر استهداف “عيون” الدبابة (أبراجها ومنظومات رؤيتها) بدقة متناهية، مما أفقدها القدرة على المناورة قبل بدء المعركة البرية.
  • ​مرحلة المحارق الكبرى: مع بدء محاولات التوغل البري، تحولت قرى الحافة الأمامية من “الخيام” إلى “عيتا الشعب” إلى محارق حقيقية، سُجل فيها تدمير أكثر من 120 دبابة. هنا، أثبتت صواريخ “الكورنيت” المزدوجة تفوقها على منظومة “تروفي” (معطف الريح)، التي تحولت إلى مجرد زينة حديدية عاجزة عن حماية أطقم الدبابات.
  • مرحلة الضربة القاضية: وهي الذروة التي نعيشها منذ مطلع مارس الجاري، حيث سقطت هيبة اللواءين “401 و188” مدرعات. وخلال الأسبوعين الأخيرين فقط، أجهزت المقاومة على أكثر من 104 دبابات، منها 6 دبابات احترقت في يوم واحد (الاثنين 30 مارس) في مناطق “عيناتا”، و”بيدر الفقعاني”، و”القوزح”.

​إن تسارع وتيرة التدمير يثبت تطور تكتيكات المقاومة، خاصة الهجوم من الأعلى باستخدام صواريخ “الماس” والعبوات الناسفة من مسافة صفر، مما جعل الدبابة عبئاً لوجستياً وبشرياً يدفع بالعدو للاستنجاد بمخازن الطوارئ لتعويض نزيف آلياته.

شلل الهندسة العسكرية وتفكيك “كاسحات الطريق”

و​لم يقتصر التنكيل بالمقاومة على الدبابات القتالية، بل طالت المطارق الحديدية للمجاهدين “أدوات التمهيد”.

فقد سقطت الجرافة العسكرية العملاقة من نوع “D9” في فخ المسيرات الانقضاضية، وآخرها السقوط المدوي لجرافة عند تلة “الصلعة”.

تجاوز إجمالي خسائر العدو من هذا النوع 173 جرافة مدرعة وآلية هندسية، وهو ما أدى إلى شلل كامل في قدرة العدو على فتح المسارات أو القيام بالتمهيد الهندسي.

هذا الفراغ التقني ترك قوات المشاة الإسرائيلية في مهب الكمائن والعبوات الناسفة المضادة للأفراد، والتي حصدت أرواح الجنود المتحركين على طريق “عيترون”، حيث تحول الجندي الإسرائيلي من “مهاجم خلف درع” إلى “صيد سهل” يبحث عن صخرة أو جدار منزل ليجد مأوى يحميه من نيران المقاتلين.

​من “غليلوت” إلى “يافا”.. ذراع المقاومة الطويلة تضرب مراكز الثقل

وبالتوازي مع سحق الآليات في الجنوب، فرضت المقاومة معادلة الردع في العمق.

لم تعد المستوطنات الشمالية وحدها تحت النار، بل امتدت الصليات الصاروخية والمسيّرات لتضرب مراكز القرار العسكري والاستخباراتي.

لقد شهدت الساعات الـ 24 الماضية تنفيذ 43 عملية عسكرية نوعية، استهدفت مراكز ثقل استراتيجي وحساسة، أبرزها:

  1. ​قاعدة “غليلوت”: مقر وحدة الاستخبارات العسكرية (8200) في ضواحي “تل أبيب”، والتي ضُربت بصواريخ نوعية.
  2. قاعدة حيفا البحرية: وقاعدة “زئيف” وموقع “مشمار الكرمل” للدفاع الصاروخي، مما عكس قدرة المقاومة على اختراق منظومات الدفاع الجوي الصهيونية.
  3. ​مجمع ومصافي “بازان”: في حيفا، والتي تعرضت لضربات دقيقة أدت لتضرر خزانات الوقود واندلاع النيران، في رسالة اقتصادية وأمنية واضحة.

​هذا الترابط العضوي بين ضرب الحافة الأمامية وتدمير العمق الاستراتيجي، تكلل بالعملية المشتركة مع الجيش الإيراني ضمن “الوعد الصادق 4″، التي طالت منطقة “نتانيا” وشمال يافا، مما أكد أن يد المقاومة هي العليا وأن السيادة الميدانية قد حُسمت لصالح رجال الله.

​رعب “الردوان” وانهيار المعنويات في الإعلام الصهيوني

وخلف لغة الأرقام، تبرز حالة “الهستيريا” التي يعيشها قادة وجنود الاحتلال.

تقر وسائل الإعلام العبرية مثل صحيفة “معاريف” و”يديعوت أحرونوت” بأن “المستنقع اللبناني” بات واقعاً لا مفر منه.

الخبراء الصهاينة يتحدثون بمرارة عن مقتل 4 جنود في يوم واحد واعتراف وزارة الصحة بارتفاع عدد المصابين إلى 6008 جرحى منذ بدء الحرب، منهم 232 إصابة خلال 24 ساعة فقط.

يصف الإعلام الصهيوني الميدان بأنه “وحل”، حيث يقرون بوجود قوات “الردوان” التي تطارد جنودهم من الخلف وتفاجئهم بالكمائن.

ويصف أحد المحللين الصهاينة المشهد قائلاً: “مفهوم التطهير ليس مطلقاً أبداً.. الخلايا ستطارد قواتنا وتفاجئها، وهذه حرب لها أثمان باهضة جداً”.

كما كشف وزير خارجية الاحتلال عن حجم الضغط الصاروخي، معلناً إطلاق 5000 صاروخ ومسيرة من لبنان منذ مطلع مارس فقط، وهو ما يفسر دوي صافرات الإنذار في أكثر من 100 بلدة صهيونية في وقت واحد، وتراجع قدرة المنظومات الاعتراضية التي باتت تعاني إما من إخفاق تقني أو نقص حاد في المخزون.

​تكتيكات “المسافة صفر” والالتحام الأسطوري

و​في قرى “عيناتا”، “بيت ليف”، “العديسة”، و”الطيبة”، خاض المجاهدون ملحمة بطولية بأسلحة خفيفة ومتوسطة وقذائف “التاندوم”.

لم تعد الدبابة الإسرائيلية مرعبة، بل أصبحت “بطة متخبطة في ميدان الرماية” كما وصفها أحد البيانات.

عندما يواجه المقاتل اللبناني الحديد بصدره وصاروخه الموجه، تسقط كل حسابات التكنولوجيا.

المشاهد التي وثقها الإعلام الحربي لاحتراق الدبابات في “منطقة السدر” و”بيدر الفقعاني” كانت القول الفصل.

لقد أجبرت هذه العمليات العدو على تنفيذ عمليات إخلاء مروحي واسعة تحت غطاء دخاني كثيف، هرباً من جحيم المقاومة الذي لم يترك للجنود أكثر من خمس ثوانٍ للهروب أو الموت داخل “توابيتهم الفولاذية”.

الخاتمة: الأرض لا تقبل الغزاة

​إن المحصلة النهائية لهذه المواجهة التاريخية تؤكد حقيقة واحدة: الأرض التي تُسقى بدم الشهداء لا تقبل فوقها غازياً.

لقد نجحت المقاومة الإسلامية في لبنان في كسر العمود الفقري لجيش كان يظن يوماً أنه لا يُهزم، فإذا به يغرق في وحل الهزيمة، محاصراً بين نيران الصواريخ النوعية في العمق وضربات المجاهدين في الميدان.

بينما يصر المجرم “نتنياهو” على تكرار تجارب الاندحار المريرة، تثبت المقاومة بجهوزيتها العالية وتكتيكاتها المتطورة أنها تملك زمام المبادرة.

إن حصاد “تذويب الفولاذ” ليس مجرد أرقام، بل هو إعلان رسمي عن فشل المشروع الصهيوني في فرض إرادته على لبنان، وتأكيد على أن “الميركافا” التي كانت فخر صناعته، لم تعد سوى حطام متفحم يشهد على عظمة المقاتل الذي لا يعرف سوى النصر أو الشهادة.

العدو الآن أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانكفاء المذل، أو الاستمرار في الغرق في رمال الجنوب التي لن ترحم غازياً.

You might also like