بين استراتيجية ترامب وجيوب المواطنين.. كيف تحول جالون البنزين إلى كابوس في أمريكا؟
يمانيون |
بينما تنشغل الآلة العسكرية الأمريكية في مغامراتها العدوانية وراء البحار، في استهداف الجمهورية الإسلامية في إيران، يجد المواطن الأمريكي نفسه اليوم محاصراً بين مطرقة التصريحات الرئاسية الجوفاء وسندان الواقع الاقتصادي المرير.في مشهد يعكس انفصال القيادة عن القاعدة، خرج الرئيس ترامب ليخاطب شعباً يئن تحت وطأة التضخم، زاعماً أن “الأمان” الذي توفره عملياته العسكرية يبرر وصول سعر جالون البنزين إلى عتبة الأربعة دولارات، بل وتجاوزها في ولايات كبرى إلى ثمانية دولارات.
هذا التقرير يفكك شيفرة السياسة الأمريكية التي تضحي باستقرار ملايين الأسر من أجل أهداف جيوسياسية واهية، ويسلط الضوء على كيف تحولت “استراتيجية ترامب” إلى كابوس يومي يطارد الأمريكيين في محطات الوقود ومتاجر الغذاء.
تصريحات ترامب.. استعلاء رئاسي وتجاهل للأزمة
في إجابة أثارت موجة عارمة من الجدل والاحتجاج، قلل الرئيس ترامب من شأن الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود.
ففي الوقت الذي سجلت فيه التقارير وصول سعر الجالون إلى 4 دولارات كمتوسط وطني، اعتبر ترامب أن هذا الثمن زهيد مقابل ما سماه “نعم الأمان”.
يقول ترامب ببرود: “ما يهم الشعب الأمريكي اليوم أن ينعم بالأمان في ظل العمليات الأمريكية.. نعم وصل السعر لأربعة دولارات، ولدينا بلد يتعرض لهجوم، لكن الأمريكيين يشعرون بمزيد من الأمان”.
هذا المنطق الذي يربط بين شن الحروب وبين الشعور بالأمان هو ذاته المنطق الذي قاد الولايات المتحدة تاريخياً إلى مستنقعات الاستنزاف.
بل إن الأخطر في حديثه هو قوله: “كل ما عليّ فعله هو الانسحاب من إيران، وقد نفعل ذلك قريباً”.
هذا التصريح بحد ذاته هو اعتراف صريح بأن واشنطن هي من يمسك بفتيل الأزمة، وأنها تستخدم الاقتصاد العالمي كرهينة لسياساتها العدوانية، ضاربةً عرض الحائط باستقرار سوق الطاقة العالمي ومصالح شعبها.
جحيم الأسعار.. حين تصبح كاليفورنيا وواشنطن خارج نطاق الاحتمال
ولم يتوقف الانحدار عند حاجز الأربعة دولارات التي تحدث عنها ترامب؛ فالمعطيات الميدانية ترسم صورة أكثر قتامة.
في ولاية واشنطن تجاوز السعر خمسة دولارات، بينما في كاليفورنيا -القلب الاقتصادي- كسر السعر حاجز الستة دولارات ليصل في بعض المناطق المزدحمة إلى ما بين سبعة وثمانية دولارات للجالون الواحد.
هذا الارتفاع ليس مجرد رقم عابر، بل هو “جرم” بحق الطبقة الوسطى والفقيرة. الخبراء يشيرون إلى أن هذه القفزة تفوق بمراحل ما حدث إبان غزو روسيا لأوكرانيا أو حتى خلال حروب الخليج السابقة.
إن التوقعات التي تشير إلى احتمال وصول برميل النفط إلى 200 دولار تجعل من جالون البنزين بـ 7 دولارات “قاعدة عامة” لا استثناءً، مما يعني شللاً تاماً في حركة التنقل والإنتاج.
كارثة الديزل وسلاسل الإمداد.. التضخم يطرق كل باب
وإذا كان البنزين يؤثر على تنقل الأفراد، فإن الديزل هو المحرك الحقيقي للاقتصاد.
بلغت أسعار الديزل على الصعيد الوطني 5.43 دولارات للقالون، بزيادة قياسية بلغت 45% خلال أربعة أسابيع فقط.
هذه الزيادة تعني ببساطة:
- ارتفاع فواتير الشحن: سائقو الشاحنات والقطارات يرفعون كلفة النقل لتغطية فارق الوقود.
- انفجار أسعار الغذاء: الجرارات الزراعية تعمل بالديزل، مما يعني أن كل رغيف خبز أو حبة فاكهة تصل للمستهلك الأمريكي تحمل في طياتها كلفة الحرب على إيران.
- الركود التضخمي: يواجه الاقتصاد الأمريكي اليوم تهديداً حقيقياً بركود تضخمي يهدد الاستقرار الداخلي، حيث ترتفع الأسعار بينما تنخفض القدرة الشرائية وتتأثر أسعار الفائدة.
غضب الشارع.. “غباء مطلق وحرب لا ناقة لنا فيها”
ردود فعل المواطنين الأمريكيين التي رصدتها التقارير كانت مشحونة بالمرارة والغضب.
يصف أحد المواطنين الوضع قائلاً: “إنه غباء مطلق، لا أعرف لماذا نحن هناك أصلاً.. هذا أعلى مستوى رأيته منذ زمن طويل، والعيش لم يعد في المتناول حتى للطبقة الوسطى”.
هناك إجماع شعبي متزايد على أن الأموال التي تُستثمر بمليارات الدولارات في الصواريخ والعمليات العسكرية ضد إيران، كان الأجدر بها أن تُوجه لدعم الاقتصاد المتهالك وتخفيض أسعار الفائدة التي بدأت تتأثر بشكل مباشر.
المواطن الأمريكي اليوم يشعر بأنه ضحية لقرارات لم يتخذها، ويدفع ثمن حروب “الصهاينة” التي يخوضها ترامب بالنيابة عن أطراف خارجية، كما وصفت بعض المظاهرات الاحتجاجية في ميشيغان ولوس أنجلوس.
إيران القوية في مواجهة الغطرسة الأمريكية
وعلى المفهوم الآخر، تظهر هذه الأزمة مدى القوة الجيوسياسية التي تتمتع بها الجمهورية الإسلامية في إيران.
فبمجرد أن بدأت الولايات المتحدة مغامراتها العسكرية، ارتبك الاقتصاد العالمي واهتزت أركان الاستقرار في الداخل الأمريكي.
هذا الارتفاع القياسي في أسعار النفط يضع الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي:
- فإما المضي في خيارات عسكرية ستؤدي حتماً إلى انهيار اقتصادي داخلي.
- أو الرضوخ لمطالب الشارع والانسحاب، وهو اعتراف ضمني بفشل سياسة “الضغوط القصوى” وقوة الردع الإيرانية التي جعلت من أمن الطاقة العالمي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه دون دفع ثمن باهظ.
الخاتمة: نهاية الغرور العسكري
إن الوضع الحالي في الولايات المتحدة هو نتاج طبيعي لسياسة تقدم “الاستعراض العسكري” على “الاستقرار المعيشي”.
تصريحات ترامب حول “الأمان” لم تعد تقنع من يشتري عشرة جالونات بـ 80 دولاراً بينما كانت تكلفه نصف ذلك قبل أسابيع.
لقد أثبتت الأزمة أن تهديد إيران ليس مجرد شعار، بل هو واقع اقتصادي يترجم نفسه في كل محطة وقود داخل أمريكا.
لا بديل أمام الإدارة الأمريكية سوى التوقف عن لغة الصواريخ والعودة إلى منطق الدبلوماسية واحترام سيادة الدول، وإلا فإن “الركود التضخمي” والاحتجاجات الشعبية ستكون هي “العدو الداخلي” الذي سيسقط عرش ترامب قبل أن تنجح صواريخه في تحقيق أي هدف استراتيجي بعيد.