الموالاة والمعاداة .. قراءة قرآنية في الانتماء ومصير الأمة
شكّل مفهوم “الموالاة والمعاداة” في مشروع الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي أحد المحاور المركزية التي أعاد من خلالها قراءة واقع الأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، باعتباره مفهوماً يتجاوز البعد العاطفي الضيق إلى فضاء الانتماء الحضاري، والاصطفاف الفكري، والتموضع العملي في معركة الحق والباطل، وفي معرض شرحه العميق لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء… وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} يقدّم الشهيد القائد رؤية قرآنية قوية تجاه خطورة “التولي”، بوصفه انحيازاً نفسياً وفكرياً وعملياً يفضي إلى الذوبان في مشروع العدو، حتى وإن بقي الإنسان محافظاً على بعض الشعائر الدينية الظاهرية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الموالاة ليست عاطفة.. بل تموضع شامل
يؤكد الشهيد القائد أن الخطأ الكبير في فهم “الولاء” هو اختزاله في مجرد الحب أو الكراهية النفسية، بينما القرآن يقدمه باعتباره “معية” و”اتجاهاً” و”انخراطاً” في مشروع معين، فالموالاة تعني، المعية في الموقف، والمعية في الرؤية، والمعية في التوجه، والمعية في التأييد والدعم، والقابلية النفسية لتبني المشروع القرآني، ومن هنا تتحول القضية من مجرد إحساس داخلي إلى حالة اجتماعية وسياسية وثقافية متكاملة، تُنتج مواقف وتيارات واصطفافات، وتعيد تشكيل وعي الأمة واتجاهها،
ويبرز هنا البعد الخطير في تفسيره للآية الكريمة، حين يشدد على أن الله يخاطب المؤمنين أنفسهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، ثم يحذرهم من التولي، بما يعني أن الإنسان قد يبقى في دائرة الانتماء الشكلي للإيمان، لكنه عملياً ونفسياً يصبح جزءاً من معسكر آخر.
خطورة التولي والذوبان في مشروع العدو
يركز الشهيد القائد على الآية القرآنية الحاسمة:
{وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، ويعتبرها من أخطر الآيات في باب الوعي والانتماء؛ لأنها تنقل الإنسان من مجرد “التأثر” إلى “الاندماج المعنوي” ضمن صفوف العدو، فالمسألة هنا ليست قضية هوية شكلية، بل قضية موقف واتجاه واصطفاف، ويستشهد بكلام الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: “الراضي بعمل قوم كالداخل فيه معهم”، ليؤكد أن الرضا بالمشروع الباطل، أو تبريره، أو تهيئة الأرضية له، يجعل الإنسان شريكاً فيه حتى وإن لم يمارسه مباشرة،
وفي هذا السياق، يربط الشهيد القائد بين “التولي” و”القابلية النفسية للهزيمة”، حيث تصبح النفوس مهيأة لاستقبال خطاب العدو، وتبرير جرائمه، والتماهي مع قيمه ومفاهيمه.
الولاء بوصفه معركة وعي
من أهم الأبعاد الفكرية في هذا الطرح أن الشهيد القائد ينقل مفهوم الموالاة من الجانب الفقهي الجامد إلى ميدان “الحرب الناعمة” والصراع على الوعي، فهو يرى أن الإعلام، والمناهج التعليمية، والثقافة، والفنون، والخطاب السياسي، وأدوات الترفيه، كلها تُستخدم لصناعة الولاءات والعداوات داخل النفوس، وبحسب رؤيته، فإن القوى الكبرى لا تنفق المليارات عبثاً، بل من أجل إعادة تشكيل الإنسان نفسياً وفكرياً حتى يصبح موالياً لمشروعها دون أن يشعر، وهنا يقدّم قراءة مبكرة في الغزو الثقافي، والهندسة الاجتماعية، والقوة الناعمة، وصناعة الرأي العام، إذ يرى أن أخطر أشكال السيطرة ليست الاحتلال العسكري المباشر، بل تحويل الشعوب إلى بيئات متقبلة لمشروع الهيمنة.
التولي والتحول الداخلي للإنسان
يربط الشهيد القائد بين مفهوم الولاء وبين قانون التغيير الإلهي: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، فالتغيير يبدأ من الداخل، من القناعات، ومن الانجذاب النفسي،
ومن الموقف القلبي، ومن التوجه الفكري،
ويرى أن أخطر مراحل الانحراف تبدأ عندما تتغير “بوصلة النفس”، فتتجه نحو الباطل إعجاباً أو تماهياً أو قبولاً أو تبريراً، ومن هنا تصبح الموالاة عملية “إعادة تشكيل للوعي”، ينتقل فيها الإنسان من الانتماء لله إلى الانتماء لخط آخر، ولهذا يصف أولياء الله بأنهم اتجهوا نحو الله، وجعلوا معاييرهم إلهية، تحركوا وفق رضا الله، في مقابل أولياء الشيطان الذين تصبح نفوسهم وأعمالهم وأدوارهم أدوات لخدمة مشروع الباطل.
من الفرد إلى الأمة.. صناعة البيئة الحاضنة
من أبرز ما يلفت في هذا الدرس أن الشهيد القائد لا يتعامل مع الذنب أو الانحراف باعتباره فعلاً فردياً معزولاً، بل يراه جزءاً من منظومة تخدم مشاريع الهيمنة العالمية، فهو يربط بين
الفساد الأخلاقي، والانحلال الثقافي، والانحراف الإعلامي ، والتفكك الأسري، ونشر المعاصي، وبين خدمة المشروع الأمريكي والإسرائيلي، الذي يعمل على إفساد المجتمعات وتفكيكها من الداخل، وفي هذا السياق، يقدم فهماً واسعاً لفكرة “عبادة الشيطان”، باعتبارها ليست طقوساً مباشرة، وإنما كل ممارسة تخدم مشروع الشيطان في الإفساد والإضلال، وهنا تتجلى مركزية مفهوم المسؤولية الجماعية، وخطورة التهيئة النفسية للباطل.
الحب في الله والبغض في الله.. معيار الانتماء الحقيقي
يصل الشهيد القائد إلى خلاصة محورية مفادها أن “الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان”، لأن الإنسان عندما تصبح معاييره إلهية، يحب ما يحبه الله، ويرفض ما يرفضه الله، ويقف مع الحق لا مع المصالح، وينطلق من المبدأ لا من الهوى، وهنا تتحول الموالاة إلى “مقياس هوية”، يكشف حقيقة الانتماء مهما كانت الشعارات الدينية أو السياسية، فالإنسان يُقاس بموقعه، مع من يقف؟ وماذا يؤيد؟ وأي مشروع يخدم؟ ولمن يهيئ الأرضية؟.
الدلالات السياسية والحضارية للرؤية
تحمل هذه الرؤية أبعاداً سياسية وحضارية عميقة، أبرزها الوعي بمعركة الهيمنة، إذ يعتبر الشهيد القائد أن الصراع مع القوى الكبرى ليس عسكرياً فقط، بل صراع على الهوية والوعي والانتماء، وكذلك رفض الذوبان الحضاري، فالتولي في نظره يبدأ من الإعجاب غير الواعي، ثم يتحول إلى تبعية فكرية وثقافية وسياسية،
ومركزية الموقف، إذ لا قيمة للشعارات إذا كان الإنسان منحازاً عملياً لمشروع الباطل، وكذا بناء الشخصية القرآنية عبر صناعة إنسان يمتلك وعياً وبصيرة واستقلالية، ومعيارية إيمانية.
ختاما ..
تكشف رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي في درس “الموالاة والمعاداة” عن مشروع فكري وتربوي يسعى إلى إعادة بناء الإنسان المسلم على أساس الانتماء الواعي لله وللقيم القرآنية، في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستلاب، وفي هذه الرؤية لا تصبح الموالاة مجرد قضية فقهية جزئية، بل تتحول إلى معركة وجود وهوية ومصير، تُحسم أولاً داخل النفس، قبل أن تنعكس في المواقف والسلوك والاتجاهات، ولهذا يقدّم الشهيد القائد تحذيراً عميقاً من خطورة التحول النفسي والثقافي غير الواعي، مؤكداً أن الأمة قد تُهزم من داخلها حين تفقد بوصلتها، وتمنح ولاءها لمن يعمل على تفكيكها وإبعادها عن هويتها ورسالتها.