تفاصيل جديدة في اتفاق الأسرى.. إنجاز إنساني في ظل عدوان مستمر

يمثل التوقيع الأخير على الأسماء والأعداد في ملف الأسرى محطة جديدة ضمن المسار التفاوضي الطويل المرتبط بالعدوان على اليمن، في وقت تتقاطع فيه الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والعسكرية للسعودية، ورغم الطابع الإنساني الذي يُفترض أن يحكم هذا الملف، إلا أن الوقائع المتراكمة خلال السنوات الماضية تكشف حجم التعقيدات التي أحاطت به، ومدى ارتباطه بقرارات وتحولات إقليمية تتجاوز البعد الإنساني المباشر، 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

اتفاق الأسرى امتداد لمسار تفاوضي سابق

يأتي الاتفاق الأخير بشأن الأسماء والأعداد في إطار التفاهمات المنبثقة عن اتفاق ستوكهولم، والذي نص منذ البداية على معالجة ملف الأسرى والمعتقلين باعتباره أولوية إنسانية عاجلة، كما يرتبط الاتفاق بالتفاهمات الأخيرة التي جرت في سلطنة عمان خلال ديسمبر 2025، حيث جرى تحديد القوائم والأعداد بصورة أكثر وضوحاً، تمهيداً للوصول إلى خطوات تنفيذية عملية،
ويشير هذا التطور إلى أن ملف الأسرى لم يكن منفصلاً عن مسار التفاوض العام، بل ظل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، نظراً لارتباطه المباشر بالجوانب العسكرية والسياسية والإنسانية في آن واحد،  ولذلك فإن أي تقدم في هذا الملف غالباً ما يعكس وجود حاجة أو ضغط سياسي يدفع الأطراف نحو التهدئة الجزئية أو إظهار قدر من المرونة المؤقتة.

البعد الإنساني للملف وحدود التسييس

من حيث المبدأ، يُصنف ملف الأسرى باعتباره ملفاً إنسانياً بحتاً، يتعلق بحرية المحتجزين ومعاناة عائلاتهم وحقهم في العودة إلى ذويهم بعيداً عن الحسابات السياسية، غير أن الواقع العملي خلال سنوات العدوان أظهر أن هذا الملف تعرض بصورة متكررة للتعطيل والمساومة، خصوصاً مع هيمنة القرار السعودي على مسار التفاوض والتنفيذ، وتشير المعطيات المرتبطة بالمفاوضات الأخيرة إلى أن الدفع السعودي نحو إنهاء هذا الملف يعود بدرجة أساسية إلى وجود أسرى سعوديين لدى صنعاء، وهو ما جعل الرياض أكثر اهتماماً بإيجاد تفاهمات تؤدي إلى الإفراج عنهم، وفي المقابل، فإن صنعاء تعاملت مع الملف انطلاقا من رؤية شاملة تقوم على ربط مصير الأسرى السعوديين بالملف الكامل، بما يضمن الإفراج عن الأسرى من مختلف الأطراف وعدم حصر المسألة في الجانب السعودي فقط.

اتفاق بين اليمن والعدوان السعودي ومرتزقته

سياسياً، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره تفاوضاً مباشراً بين الجمهورية اليمنية وبين المملكة العربية السعودية إلى جانب مرتزقتها،  ويعكس ذلك حقيقة أن القرار الرئيسي في هذا الملف ظل بيد الرياض، سواء على مستوى تحديد خطوات التقدم أو عرقلة التنفيذ في مراحل سابقة،  كما أن توصيف الاتفاق بهذه الصيغة يحمل دلالة سياسية مرتبطة بطبيعة الحرب القائمة، تؤكد أن المرتزقة لا يمتلكون استقلالية ولو بنسبة بسيطة في إدارة الملف، وأن القرار النهائي بقي خاضعاً للتوجهات السعودية والأمريكية طوال السنوات الماضية.

إنجاز إنساني رغم استمرار العدوان والحصار

ورغم أهمية الاتفاق من الناحية الإنسانية، إلا أنه لا يعني حدوث تحول جذري في طبيعة الحرب أو انتهاء حالة العداء القائمة، فالحصار والإجراءات العسكرية والاقتصادية المفروضة على اليمن لا تزال مستمرة، كما أن الدور الأمريكي في إدارة المشهد السياسي والعسكري ما يزال حاضراً بقوة، ولهذا يُنظر إلى الاتفاق بوصفه إنجازاً إنسانياً مهماً يخفف من معاناة الأسرى وعائلاتهم، دون أن يعني بالضرورة انتهاء الحرب أو تبدل المواقف الاستراتيجية،  فالملف الإنساني هنا يتحرك داخل بيئة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد، ما يجعل أي تقدم فيه محدوداً بسقف التوازنات والضغوط القائمة.

الضغط والتوازن العسكري كعامل حاسم

تكشف التجربة التفاوضية خلال السنوات الماضية أن الجانب السعودي لم يقدم خطوات حقيقية في ملف الأسرى إلا تحت تأثير الضغط والحاجة، فالتقدم في عمليات التبادل لم يكن نتيجة تحول إنساني مفاجئ، بل نتيجة وجود أوراق قوة وضغط دفعت الرياض للتجاوب مع المطالب المتعلقة بالتبادل الشامل أو الجزئي،
وفي هذا السياق، كان الحفاظ على الأسرى السعوديين والتعامل معهم ضمن إطار منظم وإنساني شكل عاملاً أساسياً في دفع المفاوضات نحو الأمام،  كما أن إصرار لجنة الأسرى في صنعاء على ربط مصير الأسرى السعوديين بالملف كاملاً منع محاولات تجزئة الملف أو الاكتفاء باستعادة الأسرى السعوديين دون تحقيق تقدم متوازن لبقية الأسرى اليمنيين،  ومن هنا، يُنظر إلى الاتفاق الحالي باعتباره ثمرة لتراكمات ميدانية وسياسية فرضت على السعودي التعاطي بجدية أكبر مع الملف، وليس نتيجة مبادرة طوعية منفصلة عن معادلات القوة والضغط.

لماذا تعثر التنفيذ في المرات السابقة؟

الاتفاق الحالي ليس الأول من نوعه؛ فقد شهدت السنوات الماضية جولات متعددة من التفاهمات والتوقيع على قوائم وأسماء للأسرى، إلا أن كثيراً منها لم يصل إلى مرحلة التنفيذ العملي،  ويعود ذلك إلى تحكم الجانب السعودي بتفاصيل الملف، واستخدامه كورقة ضغط سياسية وعسكرية مرتبطة بسياق الحرب الأوسع، ففي كل مرة كانت تُنجز فيها تفاهمات أولية، كانت العقبات تظهر عند مرحلة التنفيذ، سواء عبر إعادة النقاش حول القوائم أو تأجيل الإجراءات اللوجستية أو ربط الملف بقضايا سياسية أخرى،  وهو ما أدى إلى حالة من فقدان الثقة تجاه الالتزامات المعلنة، وأبقى آلاف الأسرى والمعتقلين رهائن للتجاذبات السياسية.

دلالات الاتفاق الأخير ومستقبل الملف

يحمل الاتفاق الأخير عدة دلالات مهمة، أبرزها أن ملف الأسرى ما يزال أحد أكثر الملفات القابلة للتحريك في ظل الانسداد السياسي العام، نظراً لطبيعته الإنسانية والضغوط المرتبطة به داخلياً وخارجياً،وفي الوقت نفسه، يبقى نجاح الاتفاق مرهوناً بمدى الانتقال من مرحلة التوقيع والتوافق على الأسماء إلى مرحلة التنفيذ العملي الكامل، وهي النقطة التي مثلت العقبة الرئيسية في المحطات السابقة، لذلك فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إعلان الاتفاقات، بل في الالتزام بتنفيذها بعيداً عن المناورات السياسية والتعطيل المتكرر من قبل السعودية وأدواتها،
وفي حال تم تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة، فإنه قد يفتح الباب أمام خطوات إنسانية إضافية، ويسهم في تخفيف جزء من المعاناة التي خلفتها سنوات العدوان، حتى وإن ظل المسار السياسي الشامل للحل بعيداً عن التسوية النهائية حتى الآن.

You might also like